ماجد توبة

سأحدثكم عن عهد

تم نشره في الخميس 21 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:05 صباحاً

تختزل قضية الفتاة الفلسطينية عهد التميمي، التي اعتقلها الاحتلال الصهيوني أول من أمس، قضية الشعب الفلسطيني ومسيرة نضاله الوطني والإنساني على مدى مائة عام، منذ وعد بلفور البريطاني وحكومته بفلسطين مكانا لـ"وطن قومي" لليهود، وحتى اليوم، حيث يحاول ترامب الأميركي، الذي خلفت دولته المارقة الاستعمار البريطاني، إعادة التاريخ بإصدار وعده المشؤوم الجديد، بمنح القدس المحتلة لأبشع وآخر الاحتلالات.
عهد.. ابنة السبعة عشر عاما تتصدّى بعينيها الحادتين وشعرها المنساب فوق كتفيها بكل حرية الأرض وعنفوان الأشجار الباسقة وقداسة زيتون أرضها لقطعان الاحتلال المدججين بكل أنواع الأسلحة وبدعم رئيس أكبر دولة في العالم، فيما تملك الصبية الأسطورة أسلحة الحق والأرض والتاريخ والأمل بالمستقبل، لتقدم للعالم كله روايتها، بل رواية شعبها المحتل الذي لن يفتّ من عضده وإيمانه قرار الأهوج المتسربل بيمينيته المتطرفة في "البيت الأسود"، ولا همجية الاحتلال وقطعان جنوده ومستوطنيه.
كما الأساطير وكآلهة إغريقية تقاوم شرور الأرض، تسجل عهد عبر محطات طفولتها أنموذجا فلسطينيا آخر، بعد فارس عودة الطفل الشهيد الذي وقف بصدره العاري ذات انتفاضة أمام دبابة ضخمة للاحتلال تستطيع هدم البيوت واحتلال الأرض والشوارع لكنها لا تستطيع كسر إرادة شعب مقاوم وعريق، بأطفاله ونسائه وشيوخه ورجاله، يصر على نيل الحرية وتحرير أرضه ووطنه مهما طال الزمن وادلهمت الخطوب.
قبل الشهيد الطفل فارس.. وقبل الأيقونة عهد وبعدهما ستمضي قافلة النضال الفلسطيني في طريق الحرية والاستقلال، صفا طويلا وزاهيا من الأبطال والشهداء والأسرى والصامدين كما زيتون فلسطين وبحرها إلى يوم التحرير والاستقلال.
عهد ليست منبتة عن هذه الأرض المقدسة... ولا هي بخارج سياق وطنها وشعبها، ففي عمر أمها آلاف الشهيدات والأسيرات والمقاومات الفلسطينيات، وفي عمر عماتها دلال المغربي صفّ طويل من الفدائيات والشهيدات، وفي ذاكرة اجدادها سير عطرة للقائد عبد القادر الحسيني وثوار
الـ 1936 والقائد عز الدين القسام وأرواح عظيمة لشهداء رووا بدمائهم الزكية شجرة الحرية والاستقلال القادمة لا محالة.
لا خوف على فلسطين وفيها عهد وكل أطفال فلسطين ممن يرثون بجيناتهم الحرية والمقاومة والصمود. الزمن والحق والتاريخ والبطولة في صالحها، مهما استقوى الاحتلال وتواطأت أميركا وقياداتها المأفونة والغارقة بيمينيتها التلمودية، سيكنس الشعب الفلسطيني والعربي الاحتلال الإسرائيلي كما كنست فلسطين عديد الاحتلالات والغزوات عبر التاريخ.
سيكابر ترامب وهو يرى عبر محطات التلفزة عهدا بوقفتها الأسطورية بوجه قطعان الاحتلال. لن يتوقف طويلا ليعرف كم أخطأ بل كم أجرم بمنحه غير الشرعي لعاصمة عهد وشعبها لكيان الاحتلال.. فالتاريخ هنا يعيد نفسه أيضا.. فالطغاة والمستعمرون لا يتعظون من تاريخ أسلافهم، ممن كنستهم الشعوب والأمم عبر التاريخ عن أراضيها وأوطانها مهما طالت عهودهم.
سيذهب ترامب وقراره الظالم.. وسيذهب الاحتلال.. وستبقى عهد أيقونةَ شجاعةٍ وحقٍ، وطريقا ورمزا لنصر وتحرير لا بد آت في فجر قريب.

التعليق