"كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"

تم نشره في الجمعة 22 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

نصوص كثيرة واضحة للمسلم، من القرآن والسنة، تأمره أو تنهاه، تذكره وتعِظه، وفي غالبها تربطه بالآخرة، حيث نعيمها أو عذابها، ومع ذلك فكثير منا لا ينتبه، أو أنه يقدّم ما تربى عليه في بيئته وثقافته، ويقوده التعصب –أحيانا- للعشيرة أو البلد للعمل بعكس تلك التوجيهات الربانية أو النبوية، سهولة وأي سهولة في الانتصار للنفس أو العائلة أو البلد على حساب المبادئ الأساسية في ديننا، وأحسب أننا بهذا بعيدون كل البعد عن أن ننجز تقدما فعليا على الأرض كطلاب حضارة، وفي السماء لننال تأييد الله ونصره.
دعاني لهذا العنوان وهذه المقدمة ما قرأته من تعليقات على بعض الأخبار والمقالات في حقيقة ما يجري في بعض البلدان العربية من سياسات وإجراءات متناقضة مع ما عهدناه من وقوف العرب والمسلمين صفا واحدا مع قضاياهم المصيرية، خاصة قضية فلسطين، وهذا التحول المفاجئ الذي أصاب سياسات بعض البلدان وبعض أفراد شعوبهم، وهذا وإن كان في حد ذاته مشكلة، فالأمور أوضح من أن نقيم عليها الدليل، وكما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء    إذا احتاج النهار إلى دليلِ
ولكن المشكلة الأكبر أن نقرأ ونسمع كثيرا من التعليقات الجارحة المخلة للآداب، التي يكتبها ويتفوّه بها بعض الناس، تعصبا لذلك البلد أو الفكرة، أمور لا تبشر بخير أبدا، فما عهدنا الشعوب –غالبا- إلا واعية حريصة على علاقات الأخوة بينها، فبرغم العداوة أحيانا بين بعض الأنظمة، إلا أن الشعوب تعي أن هناك مشكلات سياسية، وينبغي أن لا تؤثر على علاقات الشعوب، ولكن الذي يبرز حاليا أمر مقلق جدا، واستباجة للأعراض بشكل غير مسبوق، وشتائم قبيحة لا تليق، ولكن للأسف هو الواقع وهي الحقيقة، فأمامنا شوط طويل لإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، ولطالما قلنا إن مجمّعات هذه الأمة أكثر من مفرقاتها، ولكن للأسف يغلب علينا جهل وحمق نادران.
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح في حرمة المسلم على المسلم، في دمه وماله وعرضه، ومع ذلك فما أسهل أن ننقض هذا التوجيه النبوي، حين أتعصب لفريق أو بلد أو عشيرة، فكل التوجيهات تصبح وراء ظهري، فهل هذا هو الإسلام!؟ وهل أنا بهذا التصرف مسلم صادق!؟
ليس المنهي عنه بين المسلمين هو الدماء فقط، وإن كانت أيضا منتهكة، وليس المال وتبعاته الذي يجرّمه القانون غالبا، وإن كان منتهكا أيضا، ولكن الميدان الأوسع هو في الأعراض، وليس المقصود هو الفاحشة فقط، بل كل ما يسيء إلى المسلم، وأحسب أن هذا الأمر يصح أن يوجه للإنسانية عامة، فليس من شيم المسلم أن يقتل أو يسرق أو يسيء إلى الناس كل الناس، اللهم إلا المحارب منهم لنا، أو الذي أساء، فكل يواجه بما يستحقه وما وضحه الشرع الحنيف من أحكام بحقه، فميزة المسلم الصادق أن الذي يحركه هو شرع محكم من عند الله تعالى، لا أهواء أو شهوات أو أفكار مهما كانت، وهذا الفيصل بين المسلم الحقيقي وغيره.
عندنا مشكلة ينبغي أن يتوجه الجميع لحلها، البيت ابتداء بتعزيز قيم الاحترام لحقوق الآخرين، وتعظيم حرماتهم، وعفة اللسان، وأن ميزان التفاضل بين الناس هو بالتقوى، لا بالجاه أو المال أو العرق أو اللون، وهذه نفسها ينبغي تعزيزها في مراحل التعليم، وفي الإعلام والتوجيه والمسجد عموما، هي ثقافة لا بد من تأكيدها وإلا فالإنسان غالبا إلى ما يهواه ويشتهيه، وعندها نتوقع كل ما يسيء إلى ديننا وأوطاننا.
عجيب ما نسمعه ونقرؤه من كلام قادح، وسباب لا يتفوه به إلا الفجّار الفسقة عديمو التربية، والطامة الكبرى إن كان هذا وذاك وغيرهم يصلون في المسجد، ويزعمون أنهم مسلمون! أية خفة وأية سخافة هذه التي تنسي الإنسان مبادئ ينبغي أن تكون راسخة في عقيدته وعقله وسلوكه! هنا ندرك الهوّة الواسعة والبون البعيد بين حقيقة إسلامنا وتصرفاتنا، وكلها بحاجة إلى مراجعة تامة.
نحتج على سياسات أنّى كان أصحابها، ولكن ذلك موجه للمعنيين فقط، والناس لا علاقة لهم بذلك، فيأتي التعصب ليفرض نفسه، وهنا تشتعل الملاسنات والسباب، وهنا تضيع النصيحة، وتضيع معها الحقيقة التي ينبغي أن نلتمسها ونتبعها، وهكذا. وإذا أضفنا إلى هذا حمق ما نراه من تعصبات أخرى قبلية أو لفرق رياضية تعكس إقليمية نتنة، حينها ندرك أيضا أننا والحضارة في تناقض ما لم نصحح مفاهيمنا وسلوكنا.
في تاريخنا القديم والمعاصر من أمثلة التواضع والحكمة ما نعجز عن ذكره، ويكفي أن الحق سبحانه وتعالى بين في سورة سميت بسورة الأدب لكثرة ما فيها من آداب، وهي سورة الحجرات، أن ميزان التفاضل هو التقوى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وبين خطورة الغيبة والسخرية واللمز والتنابز بالألقاب واتباع الظن والتجسس، وهي أمور تفتك بالمجتمع وتدمّر قواعده وتنتهك عراه، وتشتت جهوده، حينها لا يمكن أن تقوم لنا قائمة، ولا يمكن أن نكون أصحاب الرسالة التي هي رحمة للعالمين.
العزة والقوة والمواقف الجريئة كلها مطلوبة، ولكن في مكانها الصحيح، وليس على حساب الآخرين إيذاء واعتداء وتكبّرا، والعجيب أن هذا الدين صنع من قوم مشركين متقاتلين قد ساءت أخلاقهم وضل سلوكهم مجتمعا يستحق أن يكون قمة في الحضارة والرقي، صحيح إن معلمهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ذلك تكرر عبر القرون في الغالب، إذ هناك محطات سلبية في مسيرتنا التاريخية، ولكن المقومات موجودة، القرآن والسنة الصحيحة والتاريخ واللغة والمجمّعات الكثيرة، وهي كفيلة بإخراج جيل النهضة والعزة والحضارة.
يتندر كثير من أعداء الإسلام أنه لن تقوم لنا قائمة، أو أننا بوضعنا هذا مستحيل علينا أن نكون خير أمة أخرجت للناس، كما قال ذلك اليهودي على إحدى الفضائيات، ولكن ظروف ما نشأت عليه الأمة منذ قرن تقريبا لا تعني الحكم النهائي علينا، فمقومات النهضة موجودة، بحاجة إلى وعي وهمة وانطلاق، وهو المأمول من أجيالنا المعاصرة إن شاء الله.

التعليق