بلا حدود

تم نشره في الجمعة 22 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:08 صباحاً

في الشرق الاوسط اليوم تصدع وقلق ونكايات يصعب فهم أسبابها. في داخل المجتمعات العربية صراعات ونزاعات وتصفيات. وعلى مستوى الاقليم تموضع وتقارب ومراجعات. الأحداث تتوالى على إيقاع تغيير القيادات ومساعي تهويد القدس وتفاقم الازمات الاقتصادية لبلدان الاقليم وتنامي شهوة التطبيع لدى البعض ومساعي آخرين لتحويل مطالبات الجماهير بالحرية والمشاركة الى صراع ذي صبغة طائفية.
 ما يحدث في الاقليم اليوم يشغل الساسة والمراقبين والشعوب ويحاول الجميع أن يتنبأوا بما قد يتمخض عن التحولات التي تتنامى بسرعة تفوق قدرتنا على الاستيعاب. غالبية دول وحكومات الاقليم تجد نفسها اليوم مضطرة للإعلان عن موقفها من القضايا الساخنة والصراعات المحتدمة في جنبات الاقليم.
 قائمة القضايا التي تتباين حولها المواقف تتراوح بين مساعي تهويد القدس والحرب في اليمن ومكافحة الارهاب والصراع في سورية والموقف من ايران. بالرغم من أهمية القضايا لبعض الاطراف إلا أن القدس وفلسطين كانت وما تزال موضع إجماع العرب والمسلمين باعتبارها رمزا للوجود والهوية والتاريخ.
 الرابع من حزيران تاريخ يرتبط في ذهن الشعوب العربية بهزيمة كلفت الامة خسارة ما تبقى من فلسطين التاريخية وضياع كل من سيناء والجولان، ويذكرنا بالأيام التي توالت فيها بيانات الاذاعات العربية وهي تنقل للامة اخبار الانتصارات الوهمية. منذ ذلك التاريخ والامة غارقة في اجواء الهزيمة التي تسابق الجميع على التنصل من مسؤوليته عنها.
 استمر العرب وبالرغم من خساراتهم المتتالية لمعظم جولات الصراع يحيكون الروايات وينصبون اقواس النصر وظل الاسرائيليون يقدمون قضيتهم للعالم كشعب مسالم يخشى على وجوده من القوى المعادية المحيطة به، فكان جيشهم يتألف من مواطنين جرى تدريبهم للدفاع عن وجودهم ووطنهم واهلهم وعقيدتهم وكرامتهم، ينصرف كل الى عمله في العلم وميادين النشاط المختلفة ويجري استدعاؤهم للتدريب السنوي أو عندما تحتاج لهم الدولة للالتحاق بوحداتهم التي تشكل بمجموعها "جيش الدفاع الاسرائيلي".
في كل مرة يخاطب ساستهم العالم يتحدثون عن الاخطار التي تهددهم والكراهية التي يحملها العرب لهم والضيم الذي يحتملونه من الفلسطينيين الذين يحاولون قتلهم وإبادتهم. بالمقابل يتحدث ساستنا عن الحقوق المشروعة والبطولات التي سجلوها والنضال الذي يقومون به من أجل القضية.
لا أحد ينكر الانتصارات التي حققتها الجيوش العربية والمقاومة الشعبية في الكرامة وتشرين والانتفاضات الفلسطينية وما قام به الآلاف من الرجال والجنود والقادة وبعض الزعماء العرب بنية صادقة، لكن المشكلة الكبرى ما تزال في الخلاف على الصراع وطبيعته وأسبابه ومداه ودرجة التزامنا به وأهميته لوجودنا ومستوى الرغبة في إنهائه وأحقية اتخاذ القرار وغيرها من الأسباب.
معظم العرب منخرطون هذه الايام في جدل لا يكاد ينتهي حول الاسباب التي أوصلتنا لما نحن عليه. الانقسامات في العالم العربي والاسلامي حادة وخطيرة لدرجة جعلت البعض يرى ان القدس وفلسطين لم تعد قضية الامة الاولى في حين يرى البعض الآخر انها كانت وما تزال وستظل جوهرا للصراع الأممي. بعض الذين يحاولون مغادرة معسكر الصمود يعانون من حالة اليأس ويعتبرون القضية عائقا في وجه تقدم مجتمعاتهم وإنشاء تحالفاتهم وتحقيق أحلامهم.
المواقف الجديدة من المساعي الاميركية الاسرائيلية لتهويد القدس أعادت خلط الاوراق وبعثرت جهود انشاء التحالفات على اساس الجوار والتقارب المذهبي، فقد اصبحت تركيا وايران اكثر قربا من غيرهما الى موقف الشارع العربي الاسلامي الأمر الذي أحدث تفاعلا عميقا في وجدان ومواقف وتفكير العرب والمسلمين وقاد الى مراجعات جدية للتحالفات التقليدية بين الانظمة والدول والجماعات الفاعلة في الاقليم.
المال والسياسة والعقيدة والقوة والمذهب والتحولات الاقتصادية الثقافية والاجتماعية عوامل ذات اهمية بالغة في التأثير على ما يحدث في الشرق الاوسط اليوم. لكن الرغبة في الحصول على شهادات حسن السلوك وتهيئة النفس لتحالفات جديدة عوامل يصعب تجاهلها في اي محاولة لفهم ما يحدث في الاقليم والعالم. المناورات الدبلوماسية التي تجريها بعض الاطراف في الفضاء العربي وتحطم الكثير من التابوهات السياسية والدينية والاجتماعية تفتح شهية المراقبين والنقاد لممارسة هوايات الرصد والتحليل، بيد انهم لا يلبثون ان يواجهوا حقيقة تسارع الأحداث بمتوالية تفوق قدرتهم على الملاحظة والاستيعاب والتحليل.

التعليق