إبراهيم غرايبة

بيتكوين: ماذا بقي للبنوك والسلطات النقدية؟

تم نشره في السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:08 صباحاً

تعكس العملة الشبكية الجديدة وأنظمة الدفع المصاحبة لها المعنى الجديد للثروة والمال، وعلى رغم كل ما يقال أو يمكن أن يقال وما يحدث وما يمكن أن يحدث بالنسبة إلى عملة بيتكوين Bitcoin وغيرها أيضا من العملات وأنظمة الدفع الشبيهة فإن المال يتخذ معانيَ وأشكالا وصياغات جديدة، ويتبع ذلك بطبيعة الحال البنوك والسلطات النقدية والمؤسسات المالية والمصرفية! ربما تختفي بيتكوين وغيرها، وربما تواجه مصيرا ومستقبلا غامضين، لكن ذلك لا يغير شيئا من حقيقة التحولات الكبرى في معنى المال ودور المؤسسات المالية والسيادية، وما يجب عليها أن تجريه من مراجعات وتكيف وإعادة تنظيم للدول والمدن والمجتمعات.
لقد تغير معنى الثروة والتعبير عنها على مدى التاريخ الإنساني حسب الموارد والأعمال الأساسية السائدة في مرحلة الرعي والاعتماد الرئيسي على المواشي من الاغنام والأبقار والخيل والإبل والخنازير التي كانت هي مقياس الثروة والمال والجاه، ثم صارت الثروة هي الأراضي والزروع والثمار، وكان كبار ملاك الأراضي هم القادة السياسيون والأعيان في المجتمعات والدول، ثم الذهب والفضة، باعتبارهما رمزا الى الثروة ثم باعتبارهما موردا بذاتهما،  ثم النقود بما هي سندات ترمز الى ما يملكه حاملها من ذهب وفضة، ثم أصبحت رمزاً مستقلاً بذاته بلا غطاء من الذهب، ثم اتخذت الثروة رمزاً الكترونياً وصارت آحاداً وأصفاراً مصفوفة في الحواسيب، وإن كانت مغطاة بالنقود!
ويمتلئ التراثان العربي والعالمي بالجدل حول معنى الثروة، فيروي ابن أبي الدنيا في كتابه "إصلاح المال" أن معاوية سأل بعض المعمرين أي المال أفضل؟ قال: عين خرارة بأرض خوارة، تعول ولا تعال، قال ثم ماذا؟ قال: فرس في بطنها فرس يتبعها فرس، قال: أين أنت من الغنم، قال: تلك لمن يباشرها بنفسه، قال: فما تقول في الذهب والفضة؟ قال: جبلان يصطكان إن أنفقتهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا.
ويقول الشاعر الجاهلي الأعشى، ساخراً ممن يتخذون الزراعة مورداً:
لسنا كمن جعلت إياد دارها
تكريت تنظر حبها أن يحصدا
جعل الإله مالنا في إبلنا
رزقا تضمنه لنا لن ينفدا
وبالطبع، فإن الثروة في تحولاتها تعكس الصراع والتنافس حول الموارد، وفي ذلك فإن المعرفة بما هي المورد الرئيسي اليوم تعيد تشكيل الطبقات والمؤسسات ووجهة الصراع والتنافس الداخلي والخارجي. وعلى هذا الأساس، يمكن تفسير التحريم أو منع أو تجاهل تعلم الفلسفة وتعليمها مثلاً، أو إهمال الفنون والإبداع والتفكير النقدي وحظر الطابعات ثلاثية الأبعاد والطائرات من دون طيار، وحرمان المواطنين والمجتمعات من فرص ومنافع الشبكية.
وبما أن الثروة تتشكل اليوم حول الشبكة كما كانت من قبل حول الصناعات أو الأراضي أو المواشي؛ فإن النضال الإصلاحي يتخذ أهدافاً ومصالح مثل مشاعية الإنترنت، وتشجيع الإبداع والتعليم الإبداعي، ويكون العدل بما هو هدف الإصلاح ومركز الحياة يعني الاعتراف للناس بحقهم في الشبكة وأن يكون الوصول إلى الشبكة يعني المساواة والأهلية لجميع الناس بغض النظر عن التصنيفات التي منحتها المؤسسات التعليمية والسياسية والتي لن تظل قائمة، والاعتراف بقدرتهم على المعرفة والتنافس والتأثير من غير إجازة هذه المؤسسات الآيلة للسقوط، والتي لم تعد قادرة على منافسة الشبكة في توفير المعرفة والمهارات والفرص، وبطبيعة الحال أن يكون الناس هم أهل الولاية على مواردهم وبلادهم وتنظيمها. وفي ذلك فإننا نتحدث عن العودة إلى المدينة أو استعادتها.

التعليق