جمانة غنيمات

الوجه الآخر للتهديد

تم نشره في الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:10 صباحاً

ما يشغل الأردنيون اليوم، هو وضع بلدهم في ظل تهديد أميركي بقطع المنح بعد تصويت الأردن لصالح القدس، وكيف سيكون الحال لو طبّق العم سام وعيده.
القصة كانت محسومة من صانع القرار وليست خاضعة للنقاش، خصوصا أن الموقف الأردني مبدئي، وأَبلغ به المسؤولين الأميركيين بكل وضوح، فلا مجاملة أو تنازل في قضية القدس، إذ ربما يدفع الأردن ثمن المواقف في الفترة المقبلة، وهي مسألة بدأ الناس يتحضرون لها، خصوصا أن الموقف الأنبل جاء من الأردنيين والفلسطينيين.
انحسار المساعدات الخارجية قصة لم تبدأ مع تهديد ترامب بوقف المساعدات، بل بدأت حينما أدار العرب ظهورهم للأردن، ولم يقدموا له الدعم والإسناد في السنوات الماضية رغم قسوتها وتعدد تحدياتها، فآخر المساعدات تمثلت بالمنحة الخليجية التي قدمها مجلس التعاون لدعم الأردن خلال سنوات الربيع العربي، سُددت جميعها باستثناء ما كان مطلوبا من قطر التي لم تقدم ما التزمت به وقيمته 1.25 مليار دولار.
المهم، لم يصدر من الإدارة الأميركية حتى الآن أي إشارات إلى عزمها تنفيذ تهديد الرئيس الأميركي، لكن ذلك لا يمنع من أن المستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.
الاحتمال الأول أن تبقى المساعدات على حالها خلال السنوات المقبلة، ويوقّع الأردن اتفاقية الخمس السنوات المنظورة كالتزام من الولايات المتحدة للمملكة بالمساعدة خلال السنوات المقبلة، رغم أن القيمة السنوية للمنح لم تحدد على غير عادة.
هذا السيناريو ما يزال قائما اعتمادا على أن العلاقة استراتيجية بين الأردن والولايات المتحدة، وتقوم على منافع متبادلة للطرفين، فالأردن ليس متلقيا للمنح فحسب، بل ذلك يتبع بتحالف مصالح مشتركة بين الجانبين، وما يزال التعاون في بعض منه مصلحة أميركية قبل أن تكون أردنية.
السيناريو الأسوأ هو أن ينفذ ترامب تهديده، وهذا سيعقّد الأزمة الاقتصادية القائمة أصلا، فواشنطن تقدم لعمان أكثر من 1,2 مليار دولار، يتوجه منها 475 مليون دولار لدعم الموازنة العامة وتدرج في قانونها، فيما تنفق باقي المساعدات على الشق العسكري أو على مشاريع تنموية ينفقها الأميركيون من خلال ذراعهم التنموية وكالة الإنماء الأميركية US Aid. كما أن الولايات المتحدة ضامن للقروض الأردنية.
القرار إن نفذ، صراحة وبكل تأكيد، سيزيد وجعنا الاقتصادي، خصوصا أن المنح المقدمة من باقي الداعمين تبقى محدودة سواء من أوروبا أو اليابان، ما يعني أن السنوات المقبلة ستكون صعبة، وتحتاج فعلا إلى إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية.
الجديد في موضوع المساعدات الأميركية للأردن، أن ثمة موقفا أميركيا متثاقلا من استمرار دعم المملكة بالأموال بدأ بالبروز خلال الفترة الماضية، وأن التفكير الأميركي بوقف المساعدات لم يأتِ، فقط، كرد فعل على خطوة التوجه للجمعية العامة للتصويت على قرار لدعم القدس يقف في وجه إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل.
يقول مسؤولون حكوميون إن مسؤولين أميركيين عبّروا عن ذلك صراحة في الأشهر الماضية، بطرح تساؤل دائم "إلى متى سيبقى الأردن معتمدا على أميركا في المنح، ومتى سيقدر على الاعتماد على موارده المالية؟".
النقطة الجوهرية أن التهديد "الترامبي" وانقطاع المنح العربية تبقيان الأردن وحيدا، ليس فقط سياسيا، بل واقتصاديا أيضا، وهذا يحتاج حقا لمراجعة الواقع لنتخفف من مصادر التهديد سواء غربية أو عربية، ونبدأ رحلة الاعتماد على الذات، سواء قطع ترامب المساعدات أم أبقاها.
في حال تحقق السيناريو الصعب، وعاقبت أميركا الأردن، نحتاج إلى مراجعة سياساتنا وإزاحة العقبات الداخلية في وجه تطور الاقتصاد، لنقدم أنموذجا مختلفا في العمل.
اليوم ثمة مزاج أردني متماسك ومتحد أمام كل التهديدات، وغير قابل للتفاوض، يلزم أن نبني عليه حتى نستقل اقتصاديا ونحمي مصالحنا الاستراتيجية ونزيل أي مصدر للتهديد، من خلال ترتيب بيتنا الداخلي وتحالفاتنا الجدية لتكون آمنة، بدلا من تلك التي تهددنا. علينا أن نعيد حساباتنا الداخلية والخارجية، لنجعل بيتنا منيعا صامدا في وجه كل التهديدات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تشاؤم (انور محمد الضمور)

    الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017.
    باختصار ويل لكل امة تاكل مما لاتزرع وتلبس مما لا تنسج شكرا استاذه جمانه
  • »أنت ما تفعل وليس ما تقول (مواطن)

    الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017.
    آن الأوان لإخراج ثرواتنا من باطن الأرض (نفط + يورانيوم + زيت صخري وغيره) وكفانا مهاترات وإستجداءات وتحليلات. شكرا لك يا ترامب على تحرير إرادة الشعوب وإيقاظها من سباتها وبئسا لمساعداتك، ويخرج علينا مسؤول كبير يقول بأنه يجب أن نستعد للأسوأ وأن نعتمد على ذاتنا، نعم صحيح ولكن هذا الكلام يحتاج إلى تطبيق إيجابي وليس بالحل السهل الذي تتجهون إليه دائما وهو جيب المواطن، أخرجوا ثرواتكم ولا نريد مساعدات من أي يكون، أنت ما تفعل وليس ما تقول معاليك، وأحسنت صنعا خير من أحسنت قولا.
  • »ليس مطلوباً من الأردن التأرجح فوق رؤوس ثعابين بأسخن منطقة بالعالم (تيسير خرما)

    الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017.
    ليس مطلوباً من الأردن التأرجح فوق رؤوس ثعابين بأسخن منطقة بالعالم، بل على الأردن الثبات بموقعه وأجندته العربية والإسلامية والإنسانية الذين تم بناؤهما عير العقود، فعلى من يريد مساعدة الأردن من باب عروبة أو دين سماوي أو إنسانية أن يبادر بتقديم مساعدته فوراً بدون قيد أو شرط وبدون طلب انضمام لمحور ضد آخر وبدون إملاء أجندته على الأردن وبدون تدخل بشأن سياسي داخلي أردني أو بتشريعات وقوانين أردنية، فالأردن دولة وحكومة وشعباً ليس مطروحاً للبيع بمزاد علني أو سري ولو كان الأمر كذلك لفازت أمريكا بالمزاد.
  • »مش معقول ! (بسمة الهندي)

    الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017.
    بتعرفي أستاذة جمانة، بعض النقاش واللطم بما يتعلق بالمساعدات الأمريكية يبدو وكأنه يقول لترامب وإدارته أنكم تستطيعون أن تلوا ذراعنا بالتهديد بوقف المساعدات. والأخطر من ذلك أن هذا النقاش واللطم يبدو أيضا وكأنه يقول أننا لسنا بدولة مستقلة وأننا دولة هشة خاضعة للابتزاز.
    الناس في الأردن دائما قلقة لأن النقاش سطحي خالي من الحقائق ولضعف الثقافة والفكر والحياة السياسية في بلدنا. الناس بتتحزر طول الوقت. ولأن الخطاب الرسمي هو مزيج من خوف مبالغ به وثقة مبالغ بها، وكأنه خطاب يضحك ويبكي في ذات الوقت.
    كيف ممكن يكون هناك نقاش عميق وحلول وابراز للقوة الناعمة الأردنية لما الدولة ما بتتحمل اجتماع للتحالف المدني ؟؟
    عنجد مش معقول !