جميل النمري

الدولة المدنية والأحزاب السياسية

تم نشره في الاثنين 25 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:08 صباحاً

الديمقراطية المعاصرة كما بدأت في الغرب أعطت شكلا محددا للمشاركة والتناوب على الحكومات هو الأحزاب السياسية. ومنذ التحول الديمقراطي في الأردن العام 89 وفي البال نموذج محدد يفترض الوصول إليه، وهو وجود أحزاب برلمانية رئيسية تحقق التناوب على السلطة التنفيذية بين أغلبية وأقلية. ببساطة هذا لم يتحقق، وقد يتجاوز العالم المفهوم القديم للأحزاب السياسية في عصر المعلوماتية ومجتمع المعرفة؛ فتصبح للديمقراطية أدوات وآليات تتناسب مع وسائل الاتصال والتواصل وتشكيل الرأي العام والقوى الاجتماعية – السياسية والتأثير والمشاركة في صنع القرار، ونحن لمّا نصل بعد للنموذج التقليدي الذي يقوم على الأحزاب السياسية.
ويحضرني في هذا السياق مثال كابينات الهاتف في الشوارع؛ فقد كنا نرى أنها الشاهد والدليل الأكبر على التحضر عندما تصبح موجودة في كل مكان ولا يكون العدد القليل منها مخربا وأسلاكها مقطعة. لكن انتهى عصر الكابينات قبل أن نصل إليه مع ظهور الهواتف الخلوية التي قضت حتى على الهواتف المنزلية. ولا أستغرب أن يتجاوز العالم عصر البرلمانات والحكومات المشكلة من أحزاب سياسية ونحن لم نصل له بعد.
لا أقول هذا الكلام في نوبة تشاؤم، بل في نقاش مع نفسي وغيري. لقد قتلنا الموضوع بحثا وتشخيصا، وطحنا أطنان الكلام عن أزمة الأحزاب السياسية وأسباب ضعفها وسبل النهوض بالحياة السياسية وتقوية الأحزاب، ومن جهتي لم أدخر أي جهد ووقت للمشاركة في تطوير الحياة السياسية والحزبية وتقديم الأفكار لخطط التنمية السياسية والتقدم بالديمقراطية. لكن ثمة من يستمر بعد ربع قرن ونيف من التحول الديمقراطي بتحميل السلطة المسؤولية كلها وهذه نظرة أحادية وتبريرية، فمن خبرتي وتجربتي المشكلة أيضا في المجتمع والسلطة نفسها لن تقوى على صنع حزب كبير وحقيقي حتى لو شاءت ذلك، وهي بالمقابل عجزت عن تحجيم حزب كبير موجود هو جبهة العمل الإسلامي.
كانت الدولة في السنوات الأخيرة مع الربيع العربي قد تبنت أفكار الإصلاح السياسي كلها، ولم يكن هناك ما يمكن زيادته على الأوراق النقاشية لجلالة الملك التي مثلت خارطة طريق للوصول إلى النموذج الموجود في أذهان الجميع، أي نظام حزبي للمشاركة السياسية والتناوب على السلطة التنفيذية، كما عبرت عن ذلك الورقة النقاشية الختامية عن الحكومات البرلمانية. وقد كتبت بعد الانتخابات النيابية الأخيرة أننا أفرغنا جيوبنا ولم يعد في جعبتنا ما نقدمه بشأن الإصلاح السياسي دون أن نتقدم على الأرض خطوة واحدة إضافية باتجاه الحكومات البرلمانية.
ما الذي يمكن عمله؟! في الأثناء وفي سياق مستقل لمجابهة الفكر الظلامي والداعشية والتطرف، عاد موضوع الدولة المدنية محوريا، وقد بادر الملك لتقديم ورقة نقاشية خاصة بفكرة الدولة المدنية تطرح مفاهيم المواطنة وسيادة القانون والمساواة والخدمة العامة العادلة لجميع الأفراد والانتماء المشترك للوطن والولاء للدولة.
إن تطبيق مفهوم الدولة المدنية ليس مجرد قرار من فوق. إنها قضية المجتمع بأسره الذي يجب أن يتحول ويتقدم ويتمثل مفاهيم وقيم الدولة المدنية. وقد ظهر في وسط الشباب المتعلم والمتنور التواق لمستقبل أجمل حماس للفكرة لم تستطع الأحزاب التقليدية تحقيقه، وظهر التحالف المدني الذي يعلن التوجه لإنشاء حزب سياسي، لكن هذه الحركة الشبابية الواعدة لن تعود بسبب طبيعتها وسعيها إلى إنشاء حزب سياسي  بالمعنى التقليدي. ما أتوقعه حركة للشباب الأردني الذي يفكر من منطلق وطني مخلص وبطريقة متقدمة للتأثير في المجتمع والدولة، وحسب ما لاحظت فإن الشباب يختزنون طاقات رائعة تجدد أملنا بالمستقبل.

التعليق