تخلّص من أغراضك القديمة لمساعدة المحتاجين

تم نشره في الثلاثاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • باميلا كسرواني - متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

باميلا كسرواني

هل تعرف أنك تستطيع أن تبيع هاتفك آيفون 7 مقابل 450 دولاراً تقريباً ما يكفي لتأمين الطعام لمئتي لاجئ؟  أياً تكن الأغراض القديمة التي لم تعد بحاجة إليها، بات اليوم بإمكانك أن تبيعها وأن تتبرع بأرباحها إلى القضية التي تختارها بفضل مبادرة "إمباكتر" التي أطلقتها شركة "ميلتو" والتي تسمح للأفراد ببيع منتجاتهم لخدمة قضية إنسانية يختارونها.
و"ملتو" هي سوق إلكترونية لبيع السلع المستعملة مثل الالكترونيات والملابس والأثاث وغيرها من المنتجات أسسها الزوجان مراد إرسان وشيرين لي. وقد سهّلت هذه السوق، منذ 2015، أكثر من 35 ألف معاملة تجاوزت قيمتها حوالي مليوني دولار بفضل 50 ألف مستخدم مسجلّ على التطبيق. ومن خلال حملة "إمباكتر"، يريد المؤسّسان حثّ الجميع على مساعدة المحتاجين والمساهمة في المصلحة العامة.
وبالفعل إعادة تدوير واستخدام السلع القديمة كان أمراً قد اعتاد عليه إرسان طوال حياته هو الفرنسي من أصل جزائري الذي نشأ بين 13 شقيقاً حيث اعتادت أمه على إعادة تدوير الملابس وتناقلها بين أولادها وحتى جعلت منها عملاً لها حيث أسست، في ثمانينيات القرن الماضي، تجارة ناجحة لبيع السلع المستعملة من فرنسا في الجزائر. وهنا يخبرنا إرسان "هي مصدر وحيّي وملهمتي. وفي النهاية، أنا أخطو خطاها من خلال "ملتو" إلا أننا شعرنا أننا نفتقد أمراً ما في رحلتنا ألا وهو التأثير الاجتماعي".
وهنا تتدخل زوجته لي وتقول: "أردنا أن نقدّم المزيد. بالطبع، كوننا نبيع سلعا مستعملة، نحن نساهم في إنقاذ كوكبنا قليلاً إلا أننا أردنا أكثر من ذلك على غرار والدة إرسان التي تمكّنت من خلال عملها أن تحسّن مستوى معيشة قريتها وأن تردّ الجميل للمجتمع". ويتابع إرسان "أريد أن أؤكد على ما قالته لي، رحلة الشركات الناشئة صعبة جداً وإذا كان المال الدافع الوحيد قد تستسلم لأنك تحتاج للكثير من الصبر والمثابرة. وما هو أعظم من المال؟ هو أن تساعد المجتمع من خلال حثّ الأفراد على التخلص من الأغراض التي يملكونها والتي لا يستخدمونها". ويضيف "هل تعرفون أن كل عائلة تملك آلاف الأغراض التي لا تستخدمها سنوياً؟ فلم لا نستغلّها بهدف قضية نبيلة؟"
وفي هذا الصدد، تعاونت "ميلتو" في حملتها مع عدد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية على غرار الهلال الأحمر الإماراتي في برنامجه "رعاية اليتيم" ومشروع سلمى للإغاثة الغذائية في الأزمات الإنسانية وستتعاون قريباً مع الصندوق العالمي للحياة البرية وجمعية "أصدقاء مرضى السرطان".  وهنا تشير لي "من جهة، لدينا العديد من المستخدمين الذين يريدون التخلص من أغراضهم المستعملة وإنما لا يحتاجون إلى المال، ومن جهة أخرى، لدينا جمعيات تفضّل أن نعطيها المال لتجنيبها كل المراحل اللوجستية المعقّدة".
وبالتالي، "ملتو" يقدّم معادلة سهلة. ليس عليك إلا أن تلتقط صورة من المنتج الذي تريد بيعه، وتحميله على التطبيق مع كتابة بعض المعلومات عنه ثم تحديد السعر الذي تريده (وهو سيتضمن كل الأعباء مثل خدمة التوصيل وعمولة الموقع). بعدها، تختار الجمعية التي تودّ أن تتبرّع بالمبلغ لها. ويبقى الأهم أن هذه العملية بأكملها شفافة جداً لأن الشاري سيعرف أن المبلغ سيتم التبرع به من خلال رسم صغير "قدم خضراء" يظهر جانب هوية البائع. وتشرح لي "كل ذلك شفاف، نريد أن يعرف البائع من يشتري الأعمال الخيرية والعكس صحيح بالإضافة إلى الكشف عن هوية الجمعية التي يدعمونها". إضافة إلى الشعار الأخضر، يتحوّل إذاً كل مستخدم إلى "مؤثر" Impacter لأنه يحدث تأثيراً بفضل إعادة بيع أغراضه من أجل قضية إنسانية ويتحوّل إلى بطل يوميّ بفضل أعمال صغيرة وسهلة.
لم يمضِ الكثير من الوقت منذ إطلاق برنامج "إمباكتر" إلا أن لي تشدد على أن ردود الأفعال وتجاوب مستخدمي "ميلتو" كانت ممتازة لأنهم "يتعاطفون مع الفكرة والعديد منهم لا يحتاجون للمال". ويتابع إرسان، من جهته، بأنه سعيد وممتن جداً لهذا التجاوب إلا أن هذه المبادرة تحتاج إلى المزيد من الأشخاص "ليتحولوا سفراء لها" مضيفاً "نحن أطلقنا المبادرة، والناس أحبّوها، والآن نحتاج إلى بوق والناس ليوصلوا أصداءها".
وهنا أرادت لي أن تشدد على أن العديد من الناس في الإمارات يطرحون سؤالاً واحداً "من سيشتري أغراضي المستعملة؟ وتقول "هذا سؤال مضحك لأنه، في الواقع، العديد من الناس، نحو 80 %. والسبب؟ الكثير يشترون السلع المستعملة ليس بسبب الضائقة المالية ولكن إذا أردت أن أشتري لابني البالغ من العمر 14 سنة هاتفاً محمولاً لن أشتري له أحدث واحد على الإطلاق لأنني أعرف أنه سيكسره لا بل سأشتري له واحداً من سوق موثوق بها". وتضيف "كما أننا لاحظنا أن العديد من المستهلكين يشترون هذه السلع لإرسالها إلى موطنهم الأم حيث يقومون ببيعها على الأرجح".
يريد إرسان ولي أن يستغّلا نجاح سوق الإعلانات المبوبة التي أطلقوها بغية إضفاء بعد آخر لشركتهم ألا وهو المسؤولية الاجتماعية وإنما أيضاً من أجل إحداث فرق في حياة المستهلكين الأفراد. ويشرح لنا إرسان قائلاً "أنت كمستهلك، تصبح أكثر مسؤولية وتعيد الحياة لأغراض لا تستعملها قد تكون مفيدة للأشخاص ذوي الدخل المحدود. فعلى سبيل المثال، تستطيع طالبة في الجامعة، عاجزة مادياً أن تشتري حاسوبا محمولا مستعملا وبحالة جيدة وبسعر مقبول. إضافة إلى ذلك، أنت تحدّ من آثارك البيئية وتخدم المحتاجين في آن واحد". ويشدد إرسان "نريد حملات عطاء مستدامة" ولذلك نحن نحاول التواصل مع المستخدمين الأفراد وإنما أيضاً الشركات لدعم حملتنا لكي لا يكون العطاء مربوطاً بمناسبة معينة مثل شهر رمضان لا بل على مدار السنة".
 ويرى إرسان أن حملة "إمباكتر" قد تكون الحل الوسط لجعل كل فرد مستهلكاً مسؤولاً قائلاً "تستطيع أن تستهلك باعتدال. لا شك أننا ما زلنا نحتاج إلى التصنيع وإلى السلع الجديدة. وأنا لا أطلب من الفرد أن يتوقف عن شرائها لا بل أن يفعل ذلك ويعيد استعمالها بمسؤولية".
ويؤمن إرسان أنه من خلال الاستهلاك المسؤول "أصبح للـ 99 % من الناس صوتاً ولا نستطيع أن نلوم الـ 1%. لدينا صوت، فدعونا نأخذ الوقت لنحلل طريقة استهلاكنا ولنجد منتجات بديلة من خلال دعم العديد من الشركات التي تريد أن تحدث تأثيراً اجتماعياً بغية جعل عالمنا مكاناً أفضل للعيش".
وفي النهاية، تبقى حملة إمباكتر" من "ميلتو" مثالاً صغيراً عن العديد من الوسائل والطرق التي نستطيع أن نستغلها، نحن كمواطنين، من أجل استهلاك مسؤول وعطاء مستدام وعالم أفضل.

التعليق