قطع المساعدات.. هل نحن مستعدون؟

تم نشره في الأربعاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:06 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2017. 04:10 مـساءً

مثنى غرايبة

لسنوات طويلة ظللنا نعاني من تحديّات اقتصادية ونتكلم عن ضرورة حلّها، ولكن الوضع القائم كان يسمح للحكومات بشكل أو بآخر بتأجيل مواجهة هذه التحديّات بشكل جدّي، إما عن طريق المساعدات أو الديون. بقينا على الحافة دون أن نتقدّم لأن التقدّم يحتاج أن نخرج بتفكيرنا من منطقة الراحة التي اعتدنا عليها. اليوم ونحن تحت التهديد الأميركي الواضح بقطع المساعدات نتيجة موقفنا بخصوص القدس، يصبح التخطيط لهذا الاحتمال واجباً وطنياً لا يمكن تجاهله.

حسب ورقة منتدى الاستراتيجيات الأردني حول ثلاثية النمو الاقتصادي، الإيرادات الضريبية والمساعدات الخارجية؛ يمكن للمساعدات أن تعزز البيروقراطية والاعتمادية الحكومية لأن بعض المعونات يتم هدرها. وحسب صندوق النقد الدولي فالتمويل الخارجي المستدام (المساعدات الخارجية) يسبب ازديادا في النفقات الجارية ويخلق حالة تسمى بـ"وهم المعونة" في أغلب الحالات، وهذا ما يحصل عندنا.

لحسن الحظ أن وزير المالية ليس بحاجة لأن يشرح له أحد معنى اختبارات الإجهاد! ففي موقعه السابق في بنك الإسكان كان يقوم بهذه الاختبارات حيث فرض البنك المركزي على جميع البنوك القيام بهذه الاختبارات للتأكد من سلامة الوضع المالي للبنوك، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية في العام 2008. اختبار الإجهاد أو فحص الظروف الضاغطة (ٍStress Testing Analysis) هو أسلوب محاكاة تشبيهي غالبا ما يستخدم في القطاع المصرفي. كما يستخدم في إدارة الأصول (الموارد والالتزامات) لتحديد التغيّرات الممكنة في ضوء السيناريوهات المختلفة. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم اختبارات الإجهاد لقياس مدى تأثير بعض الضغوطات على شركة أو صناعة أو ملف ما. على الرغم من أن اختبارات الإجهاد تعتمد في العادة على نماذج المحاكاة المبرمجة مسبقاً وفقاً لسيناريوهات افتراضية محددة، ومرتبطة بقطاعات محددة، يمكن تعديل وتكييف هذه البرامج أحياناً لقياس حالات أخرى لها خصوصيتها، والموازنة العامة هي إحدى هذه الحالات الخاصة.

ولضمان سلامة الوضع المالي للأردن في ظل التهديدات الأميركية الأخيرة بقطع المساعدات وفي ظل التوقعات المبالغ بها للإيرادات العامة بما يقارب 921 مليون دينار أكثر من العام الحالي، يصبح من الضروري فحص الاحتمالات المختلفة لانخفاض الإيرادات وأثرها على الإنفاق العام.

السيناريوهات الممكنة يجب أن تدرس خفض النفقات الجارية، والاقتراحات لفعل ذلك كثيرة وبالتأكيد التخطيط لها وتنفيذ الخطط لخفض النفقات لن يكون بسيطاً، ولكننا في وضع معقد ولا نتوقع أن الحلول الممكنة ستكون بسيطة ولكنها ضرورية للحفاظ على الأردن واستقراره.

هذه الإجراءات تم نقاشها والمطالبة بها كثيراً، ومنها إعادة دراسة ملف التقاعد المدني حيث يشكل بند التقاعد والتعويضات وحده ما يقارب المليار و321 مليون دينار (يقارب العجز في الموازنة قبل الدعم)، وقد كتب الصديق جواد عباسي باستفاضة حول الموضوع. فأي نسبة نوفرها من هذا المبلغ الضخم ستؤثر بشكل إيجابي على عجز الموازنة! وسيكون ذلك ممكنا إن تم التركيز على فئة الرواتب العليا المرتبطة برواتب تقاعد الوزراء والنوّاب وتحليلها بشكل شفاف ووقف رواتب التقاعد للوزراء والنوّاب السابقين الذين لم يصلوا لسن الستين ولهم مصدر دخل آخر، وغير ذلك من التفاصيل مع التركيز على عدم التأثير على محدودي الدخل.

إلى جانب ذلك من الضروري أن نقوم بتحليل شفاف لكامل نفقات المؤسسات الحكومية مع هدف واضح لخفض النفقات الجارية بنسبة مئوية معينة تعتمد على الانخفاض المحتمل في الإيردات نتيجة وقف المساعدات أو عدم تحصيل الإيرادات الضريبية المتوقعة، مع التركيز على نفقات الرفاهية الحكومية الواضحة.

هناك أيضاً اقتراحات كثيرة أخرى كتبت عنها مسبقاً مرتبطة بفرض سيادة القانون بما يخص سرقة الكهرباء وتهريب السجائر وترخيص العمالة الوافدة توفر ما يقارب 450 مليون دينار إن تحملت الحكومة مسؤوليتها بضمان سريان القانون وسيادته على الجميع.

ومن المفيد الاستعجال بقوننة عمل شركات التكاسي المعتمدة على التطبيقات حيث يعمل بها ما يقارب 20 ألف أردني حسب أرقام البنك الدولي، وهؤلاء يعملون خارج الاقتصاد بدون ضرائب ترفد الخزينة وهم معرضون دائما لخطر الحجز والاعتقال بشكل دائم، ويشهد لوزير النقل الحالي أنّه قام بالكثير في هذا الملف وعسى أن تكون التعليمات الأخيرة الحلّ الذي طال انتظاره.

من المفيد أيضاً التفكير بطرح سندات خزينة للمواطنين بشرط استخدامها لتمويل المشاريع الرأسمالية فقط لدعم الاقتصاد وخلق فرص عمل وخصوصاً أن الأردنيين عبروا بوضوح في الشارع وعبر المؤسسات الدستورية المنتخبة عن استعدادهم لتحمّل قطع المساعدات مقابل الموقف المبدأي بخصوص القدس. وسيكون المواطنون مستعدون لتمويل العجز إن آمنوا بقدرة الحكومة على إدارة الملف بفعالية وذلك يحتاج لخطوات شجاعة في خفض النفقات التشغيلية للحكومة.

الإتحاد الأوروبي اليوم يقدّر الدور الأردني السياسي ويحترمه، ويدرك ما يتحمّله الأردن في ملّف اللاجئين وقد سمعتها أكثر من مرة من مسؤولين أوروبيين أن الدعم الذي يقدمونه للأردن هو أقل من واجب أوروبا تجاه دولة تتحمل بالنيابة عن العالم كلفة اللجوء الناتج عن حرب بشعة فشلت السياسة الدولية في وقفها. وربّما يكون من المفيد الطلب من الأوروبيين الذين أظهروا مساندتهم الواضحة للموقف الأردني منحنا فترة سماح بدون فائدة بما يخص الديون الأوروبية لتقليل بند فوائد الدين العام والذي يصل إلى مليار و20 مليون دينار.

إن كنّا حقّا نريد أن نعتمد على ذاتنا، ونستقل بقرارنا السياسي، فعلينا أن نستغل الفرصة لنفعل ما كان علينا فعله منذ سنوات لنوقف النزيف الذي يتعرّض له اقتصادنا بسبب المديونية العالية، واستمرار الاعتماد على وهم المعونة. ما زال ممكناً أمام الحكومة سحب مشروع الموازنة المطروح، والذي انشغل الجميع عن نقاش تفاصيله بسبب قضية القدس الملّحة، وتقديم مشروع بديل للموازنة يتناسب مع التحديّات السياسية والاقتصادية أمامنا، بشفافية هي من حق الشعب، المصدر الأول لتمويل الحكومة، وصاحب الحق في الرقابة على أدائها، بغير ذلك نكون نكرر الأخطاء التي أوصلتنا إلى هنا ولا أظن أننا نحتمل ذلك، الجرأة في الموقف السياسي تحتاج لجرأة تدعمها اقتصادياً، فهل نحن مستعدون لذلك؟

التعليق