ملاحظات قانونية على هامش قراري مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة

تم نشره في الأربعاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:06 صباحاً
  • رئيس البعثة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة يتقدم للإدلاء بصوته رفضا للقرار الأميركي حول القدس -(أرشيفية)

 د. أنيس فوزي قاسم

ثار نقاش طويل على هامش صدور قراري مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للامم المتحدة المتعلقين بقرار الرئيس الاميركي ترامب حول الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل. سوف لا نتعرض لقرار الرئيس، فقد صدر القرار الأممي الأخير شارحاً بما يكفي اسباب عدم قانونيته. ويقتصر الحديث حول مسألتين يثور حولهما النقاش: الاولى تتعلق بمضمون مشروع القرار المقدم الى مجلس الامن الدولي عن طريق المندوب المصري، والثانية خاصة  بصدور القرار عن الجمعية العامة للامم المتحدة  تحت بند "الاتحاد من اجل السلام" ومدى إلزاميته. وتفصيلاً لذلك، سوف نتناول المسألة الاولى ودور المندوب المصري. وبداية، لابدّ من التأكيد على ان ما سوف أورده لا يستند الى معلومات حول ما جرى، بل يستند الى قراءة لنص الميثاق، والى المعرفة العامة بما يجري عادة في كواليس واروقة مجلس الأمن الدولي.
أن المأخذ الاساسي على المشروع المصري – كما يقول النقّاد- انه أغفل ذكر الولايات المتحدة والإشارة الى قرار الرئيس ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، ولو فعل ذلك لما تمكنت المندوبة الاميركية من ممارسة حق الفيتو. والرد على ذلك ليس دفاعاً عن مصر، سيما أن لا معلومات لديّ تؤهلني للنقد او المديح، بل يقوم الرد على نقتطين. الاولى أن نص المادة 27، الفقرة (3) منها تشترط، لكي تمتنع دولة عن التصويت، ان تكون الدولة "طرفاً في النزاع". والسؤال هل كان هناك "نزاع" بين مصر والولايات المتحدة حين تمّ طرح مشروع القرار؟!، وان كان ثمة "نزاع" فما هي طبيعته وحدّته وخطورته، وكيف سوف يتم تعريف "النزاع" حتى يسمح او يمنع الدولة المعنية من التصويت.
لا جدال في انه كان بالإمكان اثارة مسألة "النزاع" بين مصر والولايات المتحدة، سيما وان القدس قضية عربية اسلامية  وتتأثر مصر، سلباً وايجاباً، بهذه القضية وبكل القضية الفلسطينية، وهي جزء أساسي من قضية "الشرق الاوسط" التي جاءت معاهدة كامب ديفيد لحلّها. ويجب ان نستعيد تجربة مصر في العام 1951 حين منعت السفن الاسرائيلية من العبور في قناة السويس اذا كانت تحمل مواد حربية لاسرائيل. وحين طرح الموضوع على مجلس الامن الدولي طلبت مصر امتناع هولندا وتركيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة من المشاركة في التصويت لأن هناك "نزاع" بين هذه الدول من جهة، ومصر من جهة اخرى. وشرح الدكتور محمود فوزي موقف مصر وقال إن هذه الدول بعثت باحتجاجات على تصرف مصر، بينما مصر كانت تتصرف ضمن حقوقها بموجب اتفاقية قناة السويس وطبقاً لاتفاقية الهدنة الموقعة مع اسرائيل في العام 1949. وبغض النظر عن النتيجة التي اسفرت عنها تلك المناقشات في تلك الفترة، الاّ ان هذا النقاش لو فتح في الجلسة الاخيرة لمجلس الامن فإنه سوف ينحرف بالدول ذات العلاقة سيما مصر (والمجموعة العربية) مع الولايات المتحدة (وربما الدول الغربية في المجلس) ويتركز على تعريف "النزاع"، وتصبح مسألة الاعتراف بالقدس ثانوية. وعلى الارجح ان المندوب المصري، ومعه المندوبون العرب، فضلوا المضي بالتصويت دون الدخول في تعريفات فقهية حول معنى "النزاع".
وثمة تساؤل آخر  يُطرح: هل كان الوفد المصري، وهي الدولة العربية الوحيدة في مجلس الامن الآن، ليقبل طرح مشروع القرار لو ورد النص صراحة  في مشروع القرار على ذكر اسم الرئيس ترامب او اسم الولايات المتحدة؟ وربما يمكن القول – ولو مجرد تخمين – إن مصر لم تكن على استعداد لذلك بسبب الظرف السياسي السائد حالياً.
أما النقطة الثانية التي يجب ان تكون تحت نظر المهتمين بالأمر وهي أن الممارسة العملية في اروقة مجلس الامن الدولي تجري على نحو ان الدوله صاحبة المشروع المطلوب التصويت عليه، تبدأ عادة باستدراج ردود فعل مندوبي الدول على الاقتراح قبل الوصول الى مرحلة التصويت. وهنا تبدأ الصفقات. بعض الاعضاء سوف يقولون – على سبيل المثال- اذا ذكرتم اسم الرئيس الاميركي، سيكون من الصعب علينا التصويت على المشروع، وربما يقترح البعض الآخر حذف تعبير ما أو اضافة جملة ما لكي يتمكن من التصويت على المشروع. وعلى الدوله صاحبة المشروع أن توازن في نهاية الامر بين كل ردود الافعال الواردة لها من الدول الاعضاء، وكل ما عليها ان تضمن حصولها على موافقة "اصوات تسعة" من اعضاء المجلس على "ان يكون من بينها اصوات الاعضاء الدائمين متفقة". (المادة 27/3 من الميثاق) . وعند التصويت حصل المشروع المصري حقيقة على اربعة عشر صوتاً الاّ انه سقط بالفيتو لأن الاعضاء الدائمي العضوية كانوا جميعاً متفقين الاّ المندوب الاميركي الذي مارس حق النقض. ( مع العلم ان امتناع عضو من الاعضاء دائمي العضوية عن التصويت لا يؤثر في نتيجة القرار).
ولو افترضنا ان المشروع ذكر صراحة القرار الاميركي، لربما كان سقط بعدم الحصول على تسعة اصوات ابتداءً وذلك على اساس افتراض ( دون علم يقيني) ان بعض الدول ربما كانت ستمتنع عن التصويت بسبب ذكر اسم الولايات المتحدة تحديداً او اسم الرئيس الاميركي تخصيصاً.
أما المسألة الثانية التي انتشرت كالنار في الهشيم في ضوء صدور قرار الجمعية العامة حول الاعتراف الاميركي، فهو الزعم ان القرار بصدوره في جلسة استثنائية وعلى سند من القرار الأممي رقم (v) 377 المعروف باسم "الاتحاد من أجل السلام"، يكون قرارا ملزماً، حتى ان البعض قال انه يعادل في الزاميته قرار مجلس الامن الدولي طبقاً للفصل السابع من الميثاق.
هذه مقولة غير دقيقة وتحتاج الى تفكيك. وباعتبار انها مقولة تجد سندها في القرار المعروف بـ "الاتحاد من اجل السلام" يجب العودة الى ذلك القرار والتعرف على خلفيته. فقد صدف اثناء الحرب الكورية ان كان الاتحاد السوفياتي يترأس جلسات مجلس الأمن الدولي، وبهذه الصفة كان قادراً على احباط اية محاولة اميركية لطرح المسألة الكورية على جدول اعمال المجلس. ومن هنا لجأ دين اتشيسون، وهو من المع وزراء الخارجية الاميركيين، الى الجمعية العامة وطلب عقدها في جلسة طارئة وذلك بسبب تعطيل النقاش في مجلس الامن. وكانت تلك المرة الاولى التي يطلب فيها عقد "جلسة طارئة" وذلك لمناقشة تشكيل "قوة رقابة" لمراقبة الوضع في كوريا. وفي 3/11/1950 صدر القرار رقم (v) 377 عن الجمعية العامة التي "قررت ... تقديم التوصيات الملائمة الى الاعضاء لاتخاذ اجراءات جماعية...". وهكذا لم يرد النص على "الطلب" أو "الأمر" أو "تفوّيض" الدول باستخدام القوة. فالنص مقتصر على تقديم "التوصيات" ليس إلاّ. والقرار لم "يلزم"  كذلك أي دولة بارسال وحدات قتالية، بل هي قوات لحفظ السلام او الرقابة على خطوط الهدنة، ومن هنا أنشأ القرار لجنة من الخبراء العسكريين لقيادة تلك الوحدات، ولكن قيادتها في عمليات الرقابة وليس في عمليات عسكرية. وطلب وزير الخارجية الاميركي اساساً كان مقتصراً على طلب "قوة رقابة" وليس قوات مسلحة لاستخدام القوة. ذلك ان حق استخدام القوه لا يتم، طبقاً لميثاق الامم المتحدة، الاّ بتفويض من مجلس الامن الدولي وبقرار صادر بموجب الفصل السابع حصراً، والجمعية العامة لا تملك صلاحية اكثر من تقديم "توصية" لاعضاء المنظمة الدولية او لمجس الامن طبقاً لاحكام المادة (10) من الميثاق. ولا يجوز للجمعية العامة ان تتطاول على صلاحيات مجلس الامن او مزاحمته في استخدام صلاحياته. ومن هنا يمكن القول ان الرأي الذي يتم تداوله حاليا ان قرار الجمعية العامة الاخير الصادر تحت بند "الاتحاد من اجل السلام" هو قرار ملزم، فيه تجاوز على الحقيقة ولا يجد له سنداً في الميثاق او في نص القرار رقم  (v) 377 في الممارسة العملية.
وتطبيقات القرار "الاتحاد من اجل السلام" التي تلت صدوره تشهد انه قرار استخدم في قوات حفظ السلام او الرقابة الدولية، وكان اول استخدام له في اعقاب العدوان الثلاثي على مصر، حيث تمّ تشكيل قوات دولية لمراقبة وقف اطلاق النار، واستخدم كذلك في انشاء قوات حفظ السلام في الكونجو، وهنغاريا ومرتفعات الجولان وفي الحرب الهندية الباكستانية واستخدم كذلك في ادانة الممارسات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة، الاّ ان القرار لم يصدف وان كان ذا صفة الزامية او انه استخدم في حالة "استخدام القوة" لحمل دولة على التقيد بقرار صادر عن مجلس الامن او الجمعية العامة. ولو كان يحمل صفة الالزام – كما يزعم البعض – لكان أَول الدول التي استخدمته هي الدول العربية "لالزام" اسرائيل بالتقيد بعشرات القرارات الصادرة عن مختلف اجهزة الامم المتحدة، ومنها قرارات صدرت بموجب "الاتحاد من أجل السلام." وهذا لم يحصل، مما يجيب على نحو وافٍ عن كل الأقوال التي تقول بإلزاميته.

التعليق