حان الوقت للدفع نحو انهيار السلطة الفلسطينية

تم نشره في السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • أصغر أسيرة فلسطينية ملاك الغليظ لحظة الإفراج عنها أمس -(ا ف ب)

معاريف

نداف هعيتسني

29/12/2017

في أحيان بعيدة يعلق الشعب والقيادة في ساعة مناسبة، تكون فرصة لاعادة تصميم الامور من البداية. فمعظم ايام الامة تمر في مسارات عادية من الصعب الخروج منها، ولكن حين تهتز الامور، فإن السماء هي الحدود. ومن يعرف كيف ينتهز الفرصة، يمكنه أن ينقذ نفسه من اوضاع الازمة ويغير الواقع من الأساس، أما من يبدي قصر نصر، ضعف قلب أو ينشغل فقط بقانون التوصيات، سيفوت الفرصة الكبرى. مثل هذه الساعة هي التي نعيش فيها.
أحداث الايام الاخيرة منذ اعلان القدس للرئيس الأميركي، ارتبطت بالتغييرات الاقليمية والعالمية الجارية في السنوات الاخيرة، وكل هذا معا هو زمن الثورات. ولكن مشكوك أن تكون لدينا قيادة قادرة على التفرغ من المشاكل ومن الجوانب الشخصية لإعادة تصميم عالمنا.
عمليا، نحن نعيش عميقا في حالة تحول كبرى – عالمية وشرق اوسطية. والكرزة التي على القشدة هي السلوك الفلسطيني في اعقاب تصريح دونالد ترامب. وبالأساس الطلاق الذي القوه في وجه البيت الابيض، مما ادى منذ الآن إلى رد فعل انفعالي غير رسمي من واشنطن، بعث بالفلسطينيين إلى المكان الذي يناسبهم.
ولكن التطورات الاخيرة تقوم على اساس اطار من الاحداث الاعمق بكثير: تحطم الشرق الاوسط بفضل الربيع العربي لباراك اوباما ارتبط بخوف معظم الدول السنية من السيطرة والاجرام الايراني. الامر الذي ادى بها إلى ارتباط مصالح مع العدو الصهيوني وضعف الالتزام التلقائي تجاه الفلسطينيين. وبالتوازي، تغيير الحكم في واشنطن رفع جماعات تأثير مؤيدة لإسرائيل إلى مواقع القوة، ولا سيما شخصيات استثنائية مبنية بطبيعتها على تغيير أنظمة العالم. هذه الميول غيرت قواعد اللعب العالمية، بما في ذلك التعريفات الشوهاء عن الاخيار والاشرار.
كل هذا يعمل الآن في صالحنا، ولا سيما الصداقة الحقيقية التي تكنها لنا القوة الاعظم الاقوى التي فجأة باتت تحتقر المفاهيم الدارجة وتستخف بالاعداء الخفيين لنا من غرب اوروبا. اما التحطم الحالي للقوى الطبيعية العميقة الكبرى فتسمح لنا باعادة تصميم وجه السطح السياسي الداخلي والخارجي.
في مواجهة هذه الظروف الدراماتيكية علق الفلسطينيون في أزمة وسوء فهم. فهم يلعبون بالادوات القديمة، يردون مثلما اعتادوا في العالم المناهض لإسرائيل بشكل تلقائي. وكعادتهم يحرضون، يهددون، يشجعون منظومات الارهاب ويحاولون تشكيل تحالفات دولية ضدنا. ولكن في الظروف الحالية هم يخدموننا. فإلى أي حد يؤثرون على ترامب من السهل علينا ان نخمن.
في المنشورات الفلسطينية للأسبوعين الاخيرين تظهر خيبة امل شديدة من شكل مواجهة الدول العربية لاعلان القدس. من حقيقة أن الجامعة العربية رفضت الاستجابة لطلبهم طرد السفراء الأميركيين ومن الردود العربية التي تعتبر في رام الله وعن حق عمن دون الاسنان. وان لم يكن هذا بكاف، فإن الفلسطينيين يتحدثون عن ضغط من الزعماء العرب على ابو مازن للتعاون مع الأميركيين، وان أنهم يشعرون ضعفاء ومنعزلين.
التميمي كمثل
ورغم ذلك، عندنا كل شيء بقي كما كان. على مدى السنين أدخلنا انفسنا بأيدينا في الضائقة والموقف الدون. بدأ هذا في الوهن البائس مع خبو انجازات الايام الستة، وبلغ ذروة السخافة المتطرفة في اوسلو وفك الارتباط. وأقامت هذه السياقات في داخلنا كيانا معاديا فلسطينيا واحدا، ودولة ارهاب فلسطينية ثانية على حدود غزة.
السخافة الكبرى هي انه على رأس حكومة إسرائيل بعض من المعارضين الكبار لاتفاقيات اوسلو وهم بالذات يقدمون لنا الصيغة الهزيلة بأيديهم. فالفلسطينيون يخرقون في كل يوم تقريبا كل بند في الاتفاقيات التي وقعت عليها م.ت.ف مع إسرائيل. يرفضون شرعيتنا، يتآمرون علينا في العالم ويحرضون على الارهاب. ولكن حكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان لا تتجرأ على عمل أي شيء ضدهم، ولا سيما لا تغير قواعد اللعب. فرغم العداء والاجرامية من السلطة التي اقيمت وقائمة برحمتنا، نحن نواصل تمويلها والدفاع عن مجرد وجودها. وإلى جانب ذلك، نخترع نظريات كاذبة حول الضرورة والحاجة للبقاء في الوضع الحالي، مثل سجين وقع في عشق السجن والسجناء.
والاخطر من هذا، نحن لا نزال لا نفهم مع من نتعامل. مثال متطرف على ذلك يكمن بالذات في القضية الإيقونية لعهد التميمي. فالصفعات والاهانات التي وجهت للجنود أحدثت عاصفة عندنا، وعن حق، ولكن من ينبغي أن يتخذ القرارات يتمترس في الانماط القديمة ويفوت النقطة المركزية. فرد جنود الجيش يشجع الارهاب ضدنا بل وحتى من شأنه أن يؤدي إلى حرب. فالأوامر التي تلقاها الجنود هي ما يميز العصر الذي يوجهنا منذ الثمانينيات، عشية الانتفاضة الاولى. عصر الاحتواء، ضبط النفس، الخوف من قاضي العليا المعادي – وسائل الإعلام والأسرة الدولية.
بالضبط لهذا السبب كان هناك من استبشر خيرا في تقرير لشاب عديم التجربة من نيويورك تايمز، والذي امتدح منح الجنود للخد الثاني. من غير المفاجئ أن مثل هذا التقرير نشر في صحيفة كانت هي البوق شبه الرسمي لإدارة باراك اوباما. الصحيفة التي بانعدام للاحساس أدت إلى مفهوم عبثي إذ وعدت بربيع فادت بنا إلى شتاء من الدم والعذاب.
أما الرضا عن النفس في قيادة الجيش ومعاقل اليسار فينبع أيضا من خوف دفين مجذر من وسائل الاعلام الدولية، ولكن أيضا من سوء فهم بعيد الاثر. فرغم اكثر من مئة سنة من المعرفة للعقلية العربية في البلاد وفي الحارة، فإن واضعي الاوامر في الجيش الإسرائيلي لا يفهمون ما الذي يبثه السلوك البائس للجنود. نوصيهم بان يطلعوا على 99 في المئة من التعقيبات، التقارير، قصائد المديح والبوسترات في الشارع الفلسطيني والعالم العربي وسيعرفون بان الفتاة التي استوعبت نمط "الاحتواء" خاصتنا واستغلته، اصبحت بطلة اعدائنا.
العالم العربي يفسر صورة "ضبط النفس" كدليل على أن الجندي الإسرائيلي ضعيف. يهودي بائس يخاف من القتال، غير قادر على الوقوف امام اللبؤة الفلسطينية. هكذا أيضا تعليمات الرد وفتح النار تبث ضعفا وتستدعي مزيدا من الهجمات. روح الرد من النبي صالح هي الوصفة لموجات إرهاب جديد، وهي جزء من الصيغة للحرب القادمة. بالضبط مثلما اندلعت الانتفاضة الاولى بسبب الاستسلام الإسرائيلي في صفقة جبريل، عندما حررنا 1150 مقاتلا، إلى جانب الفشل في عملية ليلة الطوافات. عندنا يرفضون الاستيعاب بان العالم العربي يتغذى برموز مختلفة تماما عن رموز قيادة الاركان واسرة تحرير "النيويورك تايمز". اذا لم يغير سوء الفهم هذا فسندفع الثمن غاليا.
الساعة المناسبة الحالية توفر لنا فرصة نادرة لهز وتغيير قواعد اللعب. إذ حان الوقت للدفع نحو انهيار السلطة الفلسطينية. فقد نبعت اتفاقيات اوسلو من خطأ جسيم ولد وحشا في ساحة بيتنا. وتصفيته يجب أن تكون هدفا أعلى، إلى جانب فرض السيادة في المناطق ج وبناء زعامة فلسطينية بديلة. في جنوب البلاد أيضا سنضطر إلى اصلاح اخطاء اوسلو وفك الارتباط. وهنا أيضا محظور علينا أن نستبعد أي خيار بما في ذلك احتلال القطاع وضمه إلى مصر. في كل الاحوال، هذا هو الوقت لفتح الافاق، للنهوض من فوق قانون التوصيات والبدء بالتفكير في إعادة تصميم مجالنا.

التعليق