إبراهيم غرايبة

التعليم ورش السكر على الموت

تم نشره في السبت 30 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:09 صباحاً

التعليم في بلدنا منهار، وأزمته عميقة ومتراكمة، ولا تقف فقط عند المناهج، ولا تطوره هيئات مستقلة عن العملية والمؤسسات التعليمية، لكنها أزمة شاملة تمتد من عدم وجود مدارس ابتداء، وأعتقد أن الرقم 1800 لعدد المدارس الجديدة الذي نحتاج إليه كما صرح وزير التربية والتعليم هو أقل من نصف الرقم الحقيقي، كما أن المدارس القائمة يغلب عليها العجز عن استيعاب الأعداد المتزايدة من التلاميذ، عدا عن الحاجة إلى عمليات واسعة لأجل إصلاح/ إنشاء/ توسعة وتطوير النوافذ والزجاج ودورات المياه والمختبرات والمكتبات والساحات والملاعب، وأما الفنون والموسيقى والرياضة والمسرح والنشاط الطلابي والإبداع والنظافة والتغذية والصحة المدرسية، فهي في حالة غياب ونسيان، وقد يكون بعد ذلك ترفا الحديث عن الإرشاد النفسي والاجتماعي والأكاديمي للطلاب ومواجهة حالات الاستقواء والتنمر والتسرب والجنح والانحرافات، والذين يمضون سنوات في المدارس دون أن يتعلموا شيئا أو الذين تسوء حالتهم في المدارس وربما لو لم يذهبوا إليها لتعلموا واكتسبوا من المعرفة والمهارات الحياتية والسلوكية أفضل مما علق بهم وربما إلى الأبد من البيئة المدرسية والتعليمية.
يمكن ملاحظة انهيار التعليم بوضوح من خلال حياتنا اليومية وتجاربنا ومعايشاتنا وفي العمل والأسواق والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمهنية عدا عن الأخبار والتصريحات والأحداث اليومية، وأصبحت هذه الأزمة أزمة وطنية تشغل جميع الناس وتقلقهم على حاضرهم ومستقبلهم، وكان أسوأ الحلول والخيارات هو نمو قطاع التعليم الخاص والذي توسع كثيرا على نحو يزيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.. والتعليمية أيضا، ففي النفقات الهائلة على التعليم التي تتحملها الأسر وفي الفجوة المتسعة بين المواطنين حسب طبيعة ومستوى التعليم الذي يتلقونه وفي غياب التنافس بين القطاع العام والقطاع الخاص تحولت المدارس والجامعات الخاصة إلى أزمة بذاتها ربما تفوق الأزمة الأساسية للتعليم، فقد امتد التسليع في التعليم من محاكاة الخدمات العامة أو منافستها إلى الهبوط بمستواه ونشوء أسواق غير مشروعة ومدمرة للتعليم مثل البحوث والفروض التجارية التي تقدم للطلاب في جميع المستويات التعليمية بل وإلى بحوث ما بعد الدكتوراه، وفي عجز تخطيط المدن والاحياء أصبحت عمليات الذهاب الى المدارس والعودة الى البيوت عمليات نقل معقدة ومرهقة وخطيرة،.. لا يوجد بلد في العالم تخطط فيه المدارس والأحياء والطرق والأرصفة على هذا النحو المعادي للمواطنين!
يحتاج النهوض بالتعليم إلى عمليات واسعة وشاملة بدءا بتأهيل المعلمين والمناهج والإدارات إلى المباني والمرافق والخدمات والسياسات، وتخطيط المدن والأحياء والشوارع والأرصفة، والتشبيك والحوسبة، ويمتد الإصلاح في التعليم إلى جميع سياسات الدولة ومؤسساتها بدءا من الحكم المحلي والجامعات والأسر والعمل الاجتماعي والتطوعي والمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص إلى وزارات الصحة والتنمية والثقافة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
ولم تعد عمليات إدارة التعليم وتنظيمه وتطويره عملا إضافيا أو هيئات تطوعية أو مؤسسات موازية أو جمعيات أنيقة، لكن إصلاح التعليم وتطويره يحتاج إلى استنفار شامل أقرب إلى الثورة، يتولاه وزير أقسم على أداء الواجبات الموكولة إليه ويساعده فريق عمل مؤهل ومتفرغ لعمله ليل نهار، .. ولا بأس بعد ذلك بالجمعيات والمؤسسات والهيئات وجهود جماعات الأصدقاء والأتباع وما يمكن أن يضاف من أفكار واقتراحات في الفنادق والصالونات!

التعليق