فهد الخيطان

أبعد من الموازنة

تم نشره في الأحد 31 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:08 صباحاً

لم يسبق لمجلس النواب منذ عودة الحياة البرلمانية قبل أزيد من ربع قرن أن رد مشروعا لقانون الموازنة، تساوى في ذلك مجلس 89 بتشكيلته القوية مع مجلس 2007 المطعون بنزاهته. وبين المجلسين وما بعدهما من برلمانات كان تأثير النواب على المسائل الجوهرية في قوانين الموازنات محدودا، واقتصر على الجوانب الشكلية.
لم يكن مرد ذلك ضعف العزيمة النيابية، ففي عديد البرلمانات كانت هناك أصوات قوية تحاجج النهج الاقتصادي المتبع بندية كبيرة. لكن عودة الحياة البرلمانية مطلع التسعينيات من القرن المنصرم تزامن مع انتصار مدو لنهج الرأسمالية على مدارس اليسار والاشتراكية، وعجز القوى السياسية والاجتماعية في عموم دول العالم الثالث عن تطوير بديل اقتصادي قادر على المنافسة والوقوف في وجه سياسات الخصخصة والاصلاح على طريقة صندوق النقد الدولي.
والمفارقة المهمة في تجربة الأردن أن عودة البرلمان والحياة الديمقراطية وحضور الأحزاب في المشهد السياسي ترافق مع التحاق الأردن رسميا ببرامج التصحيح الاقتصادي المعدة من طرف صندوق النقد الدولي. وقد أجاز برلمان 89 هذه الخطوة ومنحها الشرعية اللازمة.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا كانت ثلاثية العجز والمديونية والنمو هي ناموس جميع الموازنات  الحكومية، تصارع للموازنة بينها لتلبية شروطها فيما بدا كمهمة مستحيلة بعض الأحيان.
تفاوتت النتائج تبعا للظروف السياسية والتطورات الإقليمية، في بلد تخضع فيه المعادلات الداخلية لعوامل خارجية بشكل يندر مثيله في دول أخرى. وفي آخر عقدين ونيف من الزمن مرت المنطقة بحروب وصراعات وتحولات لم تشهد مثلها في الخمسين سنة الماضية، كان للأردن نصيب الأسد من نتائجها الكارثية؛ هجرات سكانية، وانهيارات اقتصادية، وضغوط سياسية.
وفي السنوات السبع الأخيرة انكشفت قدرات القوى السياسية في عموم البلدان العربية على نحو مخيب. النخب على الجانبين؛ سلطة ومعارضة أثبتت فشلها في تقديم مقاربات جديدة تلبي طموح الملايين التي نزلت إلى الشوارع. ولذلك لم يعد مستغربا أن تحمل موازنات دول اختلفت تجاربها بعد الربيع العربي نفس السمات والمواصفات؛ تراجع في النمو الاقتصادي وزيادة في المديونية وارتفاع مطرد في نسب البطالة من تونس إلى المغرب وصولا إلى دول المشرق العربي والأردن.
اليوم هو الأخير من السنة، ومعه يبدأ مجلس النواب مناقشة مشروع قانون الموازنة للعام الجديد. ورغم ما ينطوي عليه مشروع القانون من تحديات كبرى، إلا أن الشعور السائد بأن جلسات النواب الممتدة لعدة أيام ما هي إلا محطة نقف فيها لنعبرها فقط لا غير.
ليس ثمة ما يمكن فعله لتغيير المعادلات الصعبة. حتى أشد المعارضين للقانون تحت القبة يدركون شح البدائل، وقد مهد تقرير اللجنة المالية في المجلس الطريق لقبول الموازنة وتمريرها.
وعند أغلبية من النواب ومعهم تيار عريض في الشارع تبدو الموازنة على أهميتها شأنا أقل مما يدور في الأذهان من أسئلة مقلقة حول المستقبل، وما تحمله السنة الجديدة من تطورات محتملة وخطيرة، قد تضع الأردن في مواجهة قاسية على جميع المستويات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بالتأكيد هناك بدائل (بسمة الهندي)

    الأحد 31 كانون الأول / ديسمبر 2017.
    أظن استاذ فهد أن فهمك للرأسمالية وللاقتصاد بشكل عام مغرق في العموميات التي لا تجاوب على شيء مهم، بل قد تستخدم لتبرير سياسات عبثية وعقيمة.
    بالتأكيد هناك خيارات بديلة ولكن الأمر يحتاج إلى برلمان قوي ومجتمع مدني قوي واعلام قوي حر وجامعات قوية ومراكز ابحاث قوية الخ. كيف يمكن أن نستشرف بدائل عندما لا تتحمل الدولة اجتماع "للتحالف المدني".
    هناك دول تدخل في مسارات جبرية وهناك دول توسع من خياراتها.