فريهان سطعان الحسن

نساء حفرن صورهن في ذاكرتي

تم نشره في الاثنين 1 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

مع انطفاء العام 2017، أستذكر نماذج لثلاث سيدات فرضت صورهن نفسها في ذاكرتي. في محاولة لإلقاء الضوء على بعض من تفاصيل حياتهن، وحضورهن الآسر.
كان يوما ماطرا وباردا.. بطلته شرطية سير كانت تقف في أحد شوارع العاصمة عمان.. غزارة الشتاء لم تمنعها من أن تتسيد المشهد وهي تنظم السير وتقوم بتسهيل حركة المركبات المزدحمة، وتمنع حالات الفوضى من اجتياح المكان.
تقف وحدها وسط الشارع، تمسك صفارتها بيد، والثانية تؤشر بها لكي تنظم حركة السير. عيناها ترقبان الجميع، وابتسامتها اللافتة حاضرة طوال الوقت ولا تغيب. تقوم بواجبها على أكمل وجه من دون أن يؤثر عليها شيء.
ما رأيته أمطرني بأسئلة لا تنتهي، كيف تحافظ هذه الفتاة الرقيقة على هدوئها في هذا المشهد المضطرب! كيف تصر على إنجاز عملها على أكمل وجه برغم كل الصعوبات.. ما هو الدافع الذي يجعلها مبتسمة تحت المطر الغزير ويجعل من تعبها راحة لها. هو ضميرها الذي يحتم عليها أن تؤدي ما تؤمن به قبل أن يطلب منها..
سيدة أخرى مثال للتحدي والإصرار..
عمرها يتجاوز الستين عاما، تحمل ما لذ وطاب من منتجات بيتية صنعتها في بيتها بسلة كبيرة، تأتي بها من إحدى المحافظات البعيدة، لتقوم بعرضها في أحد بازارات عمان.
تفترش بمنتجاتها إحدى الطاولات مجاورة لسيدات أخريات أتين من محافظات أخرى. تستقبل الزبائن بابتسامة تخفي وراءها تعبا كبيرا. بعفويتها تبدأ بالشرح الوافي عن الزعتر البلدي والزيتون والمربى والمخللات والكشك والخبز البلدي الذي صنعته بمساعدة أبنائها.
تزاول عملها بهمة ونشاط كبيرين، ورغم قلة المال الذي تجنيه، إلا أنها استطاعت أن تدرس أبناءها الثلاثة حتى تخرجوا من الجامعة، وتسد احتياجات بيتها. فهي المعيل الوحيد لأسرتها.
بعد يوم طويل وشاق من العمل يتملكها الفرح وقد جنت مبلغا من المال. تعود إلى بيتها وتبدأ بسداد ما عليها من التزامات، بانتظار فرص أخرى لتبيع ما تبقى لديها، علها تستطيع تأمين الحد الأدنى من مصاريف هذه الحياة القاسية.
سيدة أخرى تنثر على من حولها الأمل..
تعلمك، أن بإمكان الإنسان أن يكون في أوج شبابه وهو في آخر مراحل الشيخوخة. يستطيع أن يقهر السن والزمن، وأن يشكل عالمه الخاص كما يحب هو أن يراه، حتى لو كان كل ما حوله قاتما ومظلما.
هي تعيش في بيت للمسنين. تتحايل على الألم، وتخلق البهجة من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة.
تعيش في غرفة صغيرة لا يشاركها بها إلا طاولة عليها عشرات من الكتب المتنوعة تنهل منها العلم والمعرفة. كما تنثر فوقها ألوانا عديدة وجميلة تخط بها وجوه أبنائها وأحفادها وأصدقائها وشخصيات، كما تتخيلهم، وتراهم بذاكرتها.
تكتب كل يوم قصائد حب وعشق فيها الكثير من الدفء والأمل، وتحكي عن سيرة أوطان تغيرت أشكالها بالحروب والدماء، لكنها تصر على أن تحتفظ بذكريات عطرة تجمل الأشياء في داخلها.
تعلّم من حولها أن الحياة تشبه حديقة كبيرة، وأن باستطاعة كل واحد منا أن يختار منها زهورا طيبة، وأن يترك تلك التي تؤذيه بأشواكها.
هي صنعت عالمها الخاص الجميل والمزهر رغم وجودها في مكان زواياه مظلمة، لأنها تؤمن أن روحها ما تزال في ريعان الشباب حتى وإن دخل جسدها في طور الشيخوخة. كيف لا وهي التي تمتلك قلبا دافئا نابضا بالحياة والخير والجمال.
هذه نماذج لسيدات حفرن صورهن في ذاكرتي ووجداني. أتذكرهن اليوم لأستلهم منهن الأمل والقوة كغيرهن من النساء المثابرات الكثيرات اللواتي ينسجن حكايات لا تنتهي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مؤثر (ابو كريم)

    الاثنين 1 كانون الثاني / يناير 2018.
    مقال جميل
  • »امال (انور محمد الضمور)

    الاثنين 1 كانون الثاني / يناير 2018.
    نبتهل الى الله ان يكون جميع افراد المجتمع ذكورا واناثا بهذه الصفات الايجابيه القيمه شكرا استاذه فريهان