حنان كامل الشيخ

حظنا هذا العام!

تم نشره في الثلاثاء 2 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

مراقبة أبراج وحظوظ العام الجديد، يعتبر طقسا عائليا واجتماعيا مهما لكثيرين من محتفلي عيد رأس السنة في البيوت، الذين يتحلقون حول شاشة التلفزيون، ويقلبون ما بين منجمي الأبراج المنتشرين في المحطات الفضائية، باحثين عن أفضلهم، وفي العادة أفضلهن، في التنبؤ القائم بالنسبة إليهم على بث كلمات التفاؤل والأمل الخاصة بمتطلباتهم لهذا العام، المالية والعاطفية والصحية والمهنية.
وعلى الرغم من محاولات إظهار الاستخفاف والسخرية، وأحيانا المبالغة في العتاب من قبل أحد أعضاء الجمهور العائلي، الذي يجلس في العادة في وسط الصالة، يدعي بصوت عال عدم اكتراثه لترهات المنجمين وما يقولونه مندهشا كأي عالم أو مثقف عتيق من ربط حظوظ الناس والدول بأشكال وألوان  كواكب غير منطقية ولا مثبتة علميا، إنما في الوقت نفسه نجده يسترق السمع وينجرف بلا وعي للكلمات والعبارات الموزونة لغويا ومضبوطة إيقاعيا، لتستقر في داخله مثل السحر، وحين تسأله مباغتا ما هو برجك، يقول لك: الجوزاء!
اللعبة في رأيي المتواضع لا تخرج عن كونها صناعة لغوية بامتياز، يتقن عدد محدود من أدواتها وأسرارها ومداخلها ومخارجها، القائمة على فرض احتمالات طبيعية جدا بمفردات ذكية جدا وأساليب عرض متفردة جدا، لتمرير قطعة زمنية ثمينة ضمن ساعات البث، يبنى عليها بالضرورة مكتسبات مالية ومعنوية لأصحاب هذه الصناعة تستمر لما بعد ليلة رأس السنة أشهرا طويلة.
وبغض النظر عن دفوعات ممتهني قراءة الحظ المعتمد على حركة الأبراج السماوية والكواكب، وإصرارهم كل عام على تذكير المشاهدين أن ما يقومون به مرتكز على العلوم والحساب والفلك الذي “لتذكيرهم أيضا” يعتبر واحدا من أهم الدراسات التي برع بها مسلمو العصور الذهبية،  لكن لا يمكن أن ننتزع منهم حقهم في الاعتراف بالنباهة والدهاء الشديد، والذي يمكنهم عاما تلو العام احتلال نجومية ليلة رأس السنة الميلادية، متفوقين على تقارير حصاد العام السياسية والإقتصادية ولقاءات نجوم الفن والرياضة. وكل ذلك بالكلام ولا شيء غير الكلام!
الملاحظة التي أعتقد أنها جديرة بالدهشة هي تسيد صناع علم الأبراج اللبنانيين، المشهد الخاص بتلك الفقرة الحيوية كل عام. فعلى الرغم من محاولات عربية أخرى في سورية والأردن وتونس والعراق، لكن ينبغي الاعتراف بأن اللبنانيين استطاعوا خلال عقود طويلة من اكتساب ثقة جمهور الأبراج في الفضائيات، وهي نفسها تقريبا الأسماء التي تتردد كل عام، في ظاهرة تعتبر غريبة بالقياس إلى اتساع حجم الجمهور المتلقي لتلك الصناعة الإعلامية الكلامية.
فحتى القنوات المصرية الشهيرة باتت ومنذ سنوات تستضيف الأسماء نفسها للتحدث باللهجة اللبنانية عن حظوظ المصريين، الذين ذاع صيتهم بين الشعوب العربية أن لا أحد يغلبهم في الكلام!
لا ننفي طبعا تميز وتفرد الإعلام اللبناني في قسم الإعداد، المتعلق في البرامج بالعموم؛ الإخبارية والفنية والحياتية. والذي يلعب دورا مهما في تمرير تصريحات العاملين في صناعة الحظ، وكأنها حقائق تاريخية وعلمية يستحيل تجاوز واقعيتها، وحقها أن تكون مسلمات لا شك فيها.
وبعيدا عن الإيمان بالأبراج كعلم أو التعامل معها من منطق الحلال والحرام، فإن الإنجراف واسع الطيف لجمهور صناعة الكلام، لا يمكن تجاهله حتى لو اختلفت معه. فقد صارت مؤخرا تقترب من واقع الأحداث الدرامية التي تمر بها المنطقة، وتصنع على أساسها أحاديث قابلة للتحقيق لأنه ببساطة الخيارات المتوفرة للخروج من الحروب والمؤامرات والضعف العام الذي تشهده أوطاننا، قليلة وهزيلة. يكفي مشهد البحث كل عام عن “ميشيل حايك” من قبل الناس الذين يصفونه أنفسهم بالاحتيال والضجر والتشاؤم، ومن ثم الانصياع سماعيا ووجدانيا بدون وعي حين يأتي الدور للحديث عن الأردن مثلا، والتركيز على كل حرف ينطق به لربطه في مخيلتهم بصورة أو مكان أو إسم معين، متوجسين من نسبة الصدق في الاحتمالات، وحين ينهي كلامه، يزفر الجميع بنفس واحد هواء ثقيلا، حاملا معه “فال الله ولا فالك”!

التعليق