حرية القراءة في قطاع غزة

تم نشره في الثلاثاء 2 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

جطو أبراهام

 شاب صميم على معرفة أخبار العالم من خلال صفحات كتبه، ليصبح شهيرًا للغاية ويجذب انتباه الروائيين من جميع أنحاء العالم. يستكشف جطو أبراهام المزيد حول حياة مصعب أبو طه.
 هناك شعور قوي بالأمل في صوت مصعب أبو طه أثناء حديثه حول "الحرية التي يكتسبها عقله من خلال القراءة" ومجموعته الثمينة من الكتب باللغة الإنجليزية، خاصة تلك الكتب الموقعة شخصيًا من نعوم تشومسكي.
 في عالم مواز، ربما يبدو مصعب مثل أي شاب طموح يبلغ من العمر 24 عامًا، فيما عدا أن مصعب يعيش في قطاع غزة، ذلك المكان الذي يطلق عليه "السجن المفتوح"، حيث قرابة مليوني نسمة يعيشون تحت الحصار على مدار السنوات العشرة الأخيرة.
لحظات تحت الأنقاض
 كان الأمر أثناء السير عبر أنقاض قسم الفنون في كليته في عام 2014، حيث راودت ذلك الطالب في قسم الأدب الإنجليزي فكرة ما: "أثناء السير عبر الأنقاض، وجدت نسخة من كتاب مقتطفات نورتون المختارة من الأدب الأميركي The Norton Anthology of American Literature، واحد من الكتب التي كنت أدرسها في ذلك الوقت. في تلك اللحظة، عندما رأيته تحت كل تلك الأنقاض، تغير كل شيء إلى الأبد".
 كمتعطش للقراءة، تواصل مصعب مع أصدقائه بالخارج الذين أرسلوا إليه الكتب بسخاء ليقرأها. خلال فترة قصيرة، ازداد عدد الكتب التي لديه، وأصبح لديه مكتبة صغيرة في شقته في الطابق الثالث في بيت لاهيا.
 يقول مصعب، "أدركت أن لدي عددا لا بأس به من الكتب، وبدأت أفكر في إنشاء مكتبة عامة، حتى يستفيد الآخرون كذلك من تلك الكتب. في غزة، هناك فقط 13 مكتبة تخدم مليوني نسمة، وغالبية الكتب باللغة العربية، ولا تعمل تلك المكتبات لساعات طويلة في اليوم. كانت خطتي هي إنشاء مكتبة تعمل لأطول وقت ممكن طوال اليوم".
أيدي العون
 أنشئ مصعب صفحة عبر فيسبوك "مكتبة من أجل غزة Library and Bookshop for Gaza"، بتشجيع من أصدقائه، وطلب من الجميع إضافة الكتب الإنجليزية القديمة والجديدة إلى مجموعته. كان هذا سببًا في حصوله على الكثير من الكتب من جميع أنحاء العالم، مجموعة كبيرة تتنوع بين الروايات والأعمال الأدبية وكتب الأطفال، وكذلك الشعر. على الرغم من ذلك، ما لم يتوقعه مصعب هو التقدير والدعم الذي حصل عليه من أشخاص مثل الشاعرة والناقدة الأميركية كاثا بوليت، وكذلك الفيلسوف الكبير والناشط الاجتماعي نعوم تشومسكي، الذي أرسل إليه ثلاثة كتب من مجموعته الشخصية.
 مصعب، الذي يفضل من المؤلفين القصصيين جورج أورويل، وأوسكار وايلد، وجين أوستن، يقول أن حياة وأعمال المُنظِّر الأكاديمي إدوارد سعيد ألهمته لبدء القراءات النقدية، لتحسين مستواه في اللغة الإنجليزية، "ليس فقط كمادة دراسية بين الشباب، ولكن كذلك كأداة لاكتساب المعرفة". يؤمن مصعب أن المبادرات التي قام بها هي ما جعلت كتبه تلاقي اهتمامًا كبيرًا بين الأطفال في قطاع غزة، ممن الآن يهوون القراءة، بدلًا من مشاهدة التلفاز أو إضاعة الوقت في فعل لا شيء على شبكة الانترنت.
 "ساعدت المكتبة الكثيرين في القيام بالكثير من الأنشطة من أجل الأطفال؛ على سبيل المثال الزيارات التعليمية إلى المدارس ورياض الأطفال، واستضافة المحاضرات، وتنظيم الحفلات الموسيقية الصغيرة، وكذلك مساعدة الطلاب على القيام بالأبحاث".
 التحديات كثيرة، البعض منها يوجد بشكل نمطي في مكان مثل قطاع غزة، على سبيل المثال الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، الذي عادة يستمر لوقت طويل، وكذلك التوقف المفاجئ لخدمات البريد الإسرائيلية، إلى جانب التأخر والرسوم المرتفعة لإرسال الكتب عبر خدمات البريد إلى قطاع غزة. في وقت مبكر من هذا العام، بدأ مصعب حملة تمويل جماعي نتج عنها جمع أكثر من 15,000 دولار أميركي في غضون شهر، وهو أمر مشجع بالتأكيد، "ولكن الموقع الإلكتروني لتلك الحملة استقطع منها 4,500 دولار أميركي كرسوم، وكذلك المنظمة التي تلقت ذلك المبلغ في حسابها المصرفي، بينما المبلغ المتبقي استخدم لاستئجار شقة مكونة من غرفتي نوم في شمال قطاع غزة".
 عبر ازدياد الاهتمام المحلي بالمكتبة، يأمل مصعب ببذل جهد أفضل للترويج للقراءة في أوساط الشباب، ويؤكد على الحاجة إلى المزيد من الأموال، للانتقال إلى شقة أكبر لتنظيم الفصول الدراسية ودورات القراءة للأطفال، وتوظيف العاملين، وشراء أرفف الكتب، والطاولات، والكراسي، وكذلك الحصول على المزيد من الكتب.
بصيص من الأمل
 يعيش سكان قطاع غزة واقع معقد، ذلك الواقع الذي يمنعهم من ممارسة حياة ذات معنى على كافة المستويات. من الصعب قياس ضخامة الأثر النفسي السلبي لسكان قطاع غزة، خاصة الأطفال. أجريت دراسة "المؤشرات النفسية لرسومات الأطفال الفلسطينيين بعد الحرب على قطاع غزة" على يد الدكتور جميل الطهراوي، والدكتورة سناء أبو دقة، أساتذة الصحة النفسية في الجامعة الإسلامية في غزة، وأظهرت الدراسة أن 82 بالمائة من الأطفال الذين شملتهم الدراسة كانت رسوماتهم تدور حول الحرب.
 يقول مصعب، "توقفت الحياة منذ عام 2007، ولا يُسمَّح لأحد بالدخول إلى أو الخروج من قطاع غزة. المرضى يعانون لأنهم لا يستطيعون الخروج من القطاع لتلقي العلاج، بينما الطلاب يفقدون الكثير من الفرص للدراسة بالخارج، وفي بعض الأحيان يحدث ذلك بعد حصولهم على المنح الدراسية من الجامعات الأجنبية".
 ومع ذلك، الدليل على المثابرة والمعنويات المرتفعة هو أن هذا الموقف الذي يبدو وكأنه مستحيلًا لم يردع سكان قطاع غزة من محاولة السعي لحياة أفضل.
 في أكتوبر من هذا العام، حصلت الطالبة في الصف الثاني عشر عفاف رائد شريف من مدرسة الرامة الثانوية في رام الله على المركز الأول في تحدي القراءة العربي السنوي في دبي، تحت رعاية مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، وحصلت على الجائزة الكبرى وقدرها 150,000 دولار أميركي. تحدي القراءة العربي، وهو عبارة عن قراءة 50 كتابا في العام، شهد مشاركة 7,4 مليون طالب من 41,000 مدرسة في 25 بلدا من جميع أنحاء العالم، وهو يهدف إلى تعزيز النموذج المستدام للبرمجيات المستندة إلى القراءة والمعرفة في العالم العربي.
 يؤمن مصعب كذلك بقوة الكلمات المكتوبة وقدرتها على فعل المستحيل
  يختتم مصعب كلامه بقوله، "لا يُسمَّح لنا بالسفر بشكل طبيعي، ولكن يمكننا السفر عبر صفحات الكتب. خطتي المستقبلية للمكتبة هو توسعتها لتصبح بمثابة مسرح أو معرض للمفكرين، والنقاد، والمؤلفين ليجتمعوا معًا ويتبادلون الأفكار والخبرات. هناك الكثير لنقوم به".

التعليق