الرعاية الصحية الأولية

تم نشره في الأربعاء 3 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
  • مدخل مستشفى البشير الحكومي في الأشرفية - (أرشيفية)

د. محمد عبد الحميد القضاة

يُعتبر الأمن الصحي من أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، ورغم كل التقدم الطبي الصحي الذي يشهد به الجميع للأردن، إلا ان كثيرا من الدول التي كنّا نسبقها في جودة ونوعية الخدمة الصحية قبل سنوات، أصبحت الآن تسبقنا بأشواط كثيرة، وبدأت تجني ثمار تخطيطها الصحي طويل الأمد، بينما نحن ما نزال نخطط لحل الضغوطات اليومية الروتينية دون ان نقدّم رؤية مستقبلية، مما يجعل تحقيق الأمن الصحي أمرا صعب المنال.
الضغط الواقع على المستشفيات التحويلية يفوق المقبول عالميا، فلا يجوز ان تكون نسبة إشغال مستشفى تحويلي اكثر من 80 %، بينما نجد ان بعض المستشفيات يصل إشغالها 100 %. بل إن طبيب الأذن المتخصص بتركيب القواقع وإعادة السمع للأطفال وتحت ضغط الأعداد المذهلة من المراجعين للمستشفيات التحويلية يقوم بفحص مرضى الرشح وتمني الشفاء لهم بدل أن يتفرغ لإعادة السمع للأطفال. حتى إن موارد المؤسسات الصحية التحويلية المالية وجهود كوادرها البشرية يتم استنزافها في علاج حالات لا داعي لأن تصل للمستشفى أصلا.
يضاف لكل هذا، الأعداد المذهلة من الخريجين خلال السنوات العشر القادمة، والتي من المتوقع ان يصل عددهم الى 20 ألف خريج في الطب البشري، ومثله في طب الأسنان والصيدلة ودكتور الصيدلة، وأضعاف العدد في التخصصات الطبية المساندة والعلوم الطبية المخبرية والتمريض، وهذه الأعداد تحتاج لتغيير بيئة العمل لتجد فرصة العمل حتى لا تصبح عبئا على المجتمع.
الحل الوحيد الذي سيخدمنا على المدى الطويل، والذي لم نعد الآن نمتلك ترف التفكير فيه، بل يجب ان ننتقل اليه مباشرة ودون تأخير، هو التحول الى نظام الرعاية الصحية الأولية. وهذا التحول له معيقات كثيرة للأسف، ويحتاج لثلاثة عوامل رئيسية لتجاوزها: إرادة للتحول من الطبقة التي تحكم المؤسسات الصحية، وثقافة مجتمعية لقبول التدرج في المراجعة الطبية حسب الحاجة والتخصص، وتغطية مالية للمراحل الأولى من هذا التحول.
الإرادة السياسية هي أول وأهم خطوة، فلا يمكن ان تبقى وزارة الصحة دون دور حاسم في إقرار هذه السياسة والبدء بتنفيذها، بل إنها يجب ان تكون المبادرة لجمع جميع الكوادر المعنية بهذا الأمر، وصياغة سياسة التحول، وتحديد الفترة الانتقالية له، ويجب ان تتعاون كل النقابات مع هذا التوجه وتدعمه حتى لو عارض مصالح بعض الفئات منها، فأمام المصلحة العامة للمجتمع يجب ان يتنازل الجميع عن قليل من المنافع المكتسبة.
يُضاف إلى ذلك ان المواطن يجب ان يحصل على عناية لائقة في المركز الصحي الأولي، قبل ان يتم تحويله ان احتاجت حالته التحويل الى طبيب الاختصاص، والذي قد يرى تحويله الى طبيب الاختصاص الدقيق ان احتاجت الحالة الطبية هذا التحويل. وكل هذا يجب ان يتم في فترة زمنية مقبولة لا ينتج عنها تطور خارج عن السيطرة للحالة المرضية.
هذا التحول إن تم، سيوفر علينا أموالا طائلة على المدى البعيد، وسيساعدنا في إيجاد فرص عمل لكل خريجي الكليات الصحية، والأهم من ذلك كله، سيكون كل المواطنين مشمولين بتأمين صحي عالي المستوى وبأقل التكاليف، ولن يحتاج احد للانتطار لأكثر من يوم لحجز موعد عند الطبيب لتقييم حالته واتخاذ الاجراء الأمثل لها.
المراكز الصحية الأولية التي تغطي كل حي سكني وتحتوي على اطباء على مدار الساعة، واطباء أسنان، وصيادلة، وممرضين، وكوادر طبية مساندة من كل التخصصات، هي المراكز التي ستؤمن لنا هذه الخدمة المنشودة، وستحقق على المدى البعيد استقرارا وأمنا صحيين ووفرا ماليا يمكننا استغلاله في تطوير جودة الخدمة الصحية بدل ان يبقى القطاع الصحي مستنزفا لحل مشاكل روتينية.

التعليق