جامعة النجاح في ظل الحصار والاجتياح

تم نشره في الأربعاء 3 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • طالبان بجامعة النجاح في نابلس يحاولان التقاط صورة لهما (أرشيفية)

د. جودت أحمد المساعيد


كانت العقود الخمسة الأخيرة من القرن العشرين، تمثل الطفرة الكبرى في تأسيس الجامعات الحكومية والخاصة على مستوى الوطن العربي. وقد انتقلت الطفرة إلى المناطق الفلسطينية المختلفة، فتم إنشاء جامعات عديدة مثل جامعة النجاح الوطنية، وجامعة بير زيت، وجامعة القدس/ أبوديس، وجامعة الخليل، وجامعة بيت لحم، والجامعة الأميركية في جنين، وجامعة القدس المفتوحة، وكلها في الضفة الغربية، ثم الجامعة الإسلامية، وجامعة الأزهر، وجامعة الأقصى في قطاع غزة. 
كان هذا الازدهار للجامعات الفلسطينية قد حصل في أوقات الهدوء أو شبه الاستقرار، وذلك بعد إنشائها مباشرة. ولكن ما إن اندلعت الانتفاضة الأولى العام 1987، والتي سميت وقتها بانتفاضة الحجارة، حتى ارتبك المشهد الجامعي كثيراً، وتراجعت أنشطة الجامعات بدرجةٍ كبيرة، وتأثرت سلباً بالتصرفات الوحشية لجيش الاحتلال الصهيوني لسنوات تالية. أما التأثير الأكثر سلبية وإيلاماً وقسوةً على تلك الجامعات بخاصةٍ بل وعلى المجتمع العربي الفلسطيني بعامةٍ، فقد حدث في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) العام 2000م، عندما تجرأ زعيم الحرب الصهيوني آنذاك الجنرال (شارون) وبحماية جيش الاحتلال، وقام باقتحام باحات المسجد الأقصى المبارك، متحدياً مشاعر أكثر من مليار وربع المليار من المسلمين في الأركان الأربعة للمعمورة. أدى ذلك إلى حدوث انتفاضةٍ شعبيةٍ كانت أشد قوةً وأوسع انتشاراً من انتفاضة الحجارة السابقة لها، والتي أطلق عليها اسم انتفاضة الأقصى.
في الوقت الذي لم أعاين مباشرةً أحداث انتفاضة الحجارة، حيث كنتُ وقتها أستاذاً ورئيساً لقسم التربية وعلم النفس في جامعة اليرموك بمدينة إربد، ولكنني كنت أتابعها بوسائل الإعلام المختلفة، إلا أن الوضع بالنسبة لانتفاضة الأقصى كان مختلفاً للغاية، إذ كنتُ شاهد عيانٍ على تلك الانتفاضة، عندما كنت أعمل أستاذاً وعميداً لكلية العلوم التربوية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، خلال الفترة ما بين عامي  1999 – 2003.
لقد رأيتُ من التصرفات البربرية لقوات الاحتلال الصهيونية خلال أحداث انتفاضة الأقصى ما يجعلُ الولدانَ شيباً، وذلك من حيث تنوع جرائمهِ البشعة، وفتكهِ بالبلاد والعباد. كما أنني عايشتُ في الوقت ذاته ورأيتُ بأم عيني، من أساليب الصمود والتحدي من جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة بعامة، ومن جامعة النجاح الوطنية على وجه الخصوص، ما يجعلني أنحني إجلالاً وتقديراً وإعزازاً لإدارة تلك الجامعة أولاً، ولأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية ثانياً، وللطلبة الأبطال ثالثاً، ولأهالي مدينة نابلس الأشاوس رابعاً، على المجازفة بأرواحهم في كثيرٍ من الأحيان، من أجل الحرص على ديمومة عمل تلك المؤسسة العلمية تدريسياً وخدماتياً، وبطرقٍ وأساليب قد لا تخطر على البال أبداً، وفي أحلك الظروف وأشدها قسوةً على بني البشر.
كان المطلوب من الجميع خلال فترة الاجتياحات العسكرية أو الحصارات المعيشية، التفكير بأمورٍ أو حلولٍ إبداعية وليس مجرد اقتراحات عادية، وذلك من أجل استمرار جامعة النجاح في تأدية الرسالة العلمية والتنويرية المطلوبة منها. لذا، فقد تقرر فتح الجامعة بشكلٍ دائم لاستقبال من يستطيع الوصول إليها من أعضاء هيئة التدريس والإداريين والطلبة، وأن تستمر العملية التعليمية حتى بمن يحضر فقط، مهما كان عدد الطلبة في القاعة قليلا. كل ذلك من أجل إشعار الناس كافة، بأن الجدية واضحة في ضرورة ديمومة العمل بالجامعة، حتى يتم تشجيع الباقين على القدوم إليها دون تردد أو خوف.
من بين الأفكار التي تمّ طرحها وتنفيذها فوراً لخدمة قطاع الطلبة المنتشرين في المدن والبلدات خارج مدينة نابلس، ذهاب الطلبة أينما كانوا إلى فروع جامعة القدس المفتوحة في بلداتهم، حيث سيلتقي بهم أعضاء هيئة التدريس من جامعة النجاح، الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى مدينة نابلس، من أجل إلقاء المحاضرات المطلوبة، أو الرد على الاستفسارات الطلابية العديدة، أو تقديم التعليمات أو التوجيهات الجامعية الواردة من المقر الرئيسي، أو حتى تقديم الامتحانات الرسمية تحت إشراف هؤلاء المدرسين.
ونظراً لأن التنقلات كانت صعبة للغاية، في ضوء الحصار المستحكم من جانب قوات الاحتلال، وخشيةً على أسئلة الامتحانات من التسرب، فقد تقرر نقلها ضمن مراسلات رسمية داخل سيارات الإسعاف وبصحبة المرضى. وما إن تصل إلى أحد فروع جامعة القدس المفتوحة، حتى يتسلمها أحد أعضاء هيئة التدريس التابعين لجامعة النجاح كي يوقع على استلامها، ويوزعها على الطلبة بالتعاون مع زملائه الآخرين.
لا ننسى التركيز من الجميع على العمل الإلكتروني ليس في الأعمال الإدارية الروتينية اليومية فحسب، بل وأيضاً في العملية التدريسية، إذ كان يتم عن طريقها توصيل أجزاء من المادة الدراسية، والتكليف بالواجبات أو المشاريع البحثية من جانب المدرسين، بالإضافة إلى طرح الأسئلة والاستفسارات من الطلبة والرد عليها من أساتذتهم، هذا ناهيك عن استخدام خدمات الهاتف المحمول، من أجل تحقيق  العديد من الأهداف التعليمية التعلمية المرسومة.
في الوقت ذاته، كانت غرفة المؤتمرات داخل المكتبة الرئيسية للجامعة تلعب دوراً كبيراً في نقل المعرفة عن بُعد. إذ كانت رسائل الماجستير المنتهية حسب الأصول، تتم مناقشتها فيها بالتعاون مع غرفتين أخريين: الأولى في مدينة رام الله، والثانية في مدينة غزة، خصوصا أنه أصبح من الصعب وصول الكثير من الطلبة إلى الجامعة بسبب سياسات الحصار الظالمة من جيش الاحتلال، فقد تمّ عمل الترتيبات كي تكون لجنة المناقشة من الأساتذة داخل قاعة المؤتمرات بالمكتبة، في حين يكون الطالب أو الطالبة في غرفة مؤتمرات مماثلة لها إما في غزة أو في رام الله، كي تدور فعالية المناقشة كاملة، مما ساهم في حل مشكلة المناقشات المتراكمة.
ومن الأساليب الأخرى للتخفيف من معاناة الطلبة وأعضاء هيئة التدريس في الجامعة من  سياسة الإغلاق والحصار التي يفرضها جيش الاحتلال، القيام بتزويد الطلبة اليكترونياً بالتوجيهات من إدارة الجامعة ومدرسيها عن الطرق الآمنة المفروض أن يسلكوها عبر المزارع والبساتين والأودية والجبال، كي يتفادوا مواجهة الجيش المدجج بالسلاح، تمهيداً للوصول إلى جامعة النجاح الوطنية بأمان. وكم كانت هذه الطريقة تكلف الكثير من الطلبة العناء الشديد، وبخاصةٍ خلال فصل الشتاء القارس، حيث الأمطار والرياح والطين الموحل. وكم كان بعضهم يحمل في حقيبته بالإضافة إلى بعض الكتب، ملابس أخرى وحذاء آخر، كي يستبدل ما ابتل منها أو اتسخ كثيراً بالطين خلال السير مسافات طويلة على الأقدام.
وكم كنتُ أرى بأم عيني بعض الطلبة الذين يأتون إلى مكتبي في الجامعة، وهم في كامل البلل من الأمطار الغزيرة وبدون ملابس إضافية يحملونها معهم، ما كان يدفعني إلى أبقائهم بجانب أجهزة التدفئة حتى تجف ملابسهم تماماً، كي يستطيعوا بعدها الذهاب إلى قاعات الدراسة أو الامتحان. والأمر ذاته كان ينطبق أيضاً على قطاع الأساتذة القاطنين خارج مدينة نابلس، والذين حُرموا من استخدام سياراتهم الخاصة، وساروا بطرقٍ التفافية ومتعرجة وخطرة جداً مع الطلبة، من أجل أداء رسالتهم العلمية والتنويرية، وعدم الاستسلام لسياسات الحصار المفروضة من قوات الاحتلال، بهدف تعطيل مسار المؤسسات الحكومية والخاصة وعلى رأسها الجامعات.
الشعب في الضفة الغربية وقطاع غزة، رفض رفع الراية البيضاء رغم كل الوسائل الوحشية لجيش الاحتلال الصهيوني، بل قاوم بشدة خلال انتفاضة الأقصى، وواجه بكل الوسائل قصف الطائرات، وزحف الدبابات، وانتشار عشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح. وفوق هذا وذاك، فقد أصر الشعب على ديمومة عمل مؤسساته وعلى رأسها الجامعات، لأنه كان يدرك أن الاحتلال لا يهدف القتل والاعتقال والتشريد والتدمير فقط، بل وقبل ذلك، فإن عينه تبقى دوماً على مراكز العلم وجامعاته، كي يطفئ نورها المُشِع أو العمل على تعطيل دورها على الأقل، ولكن الكثير من المثقفين والمخلصين كانوا لهذا المحتل بالمرصاد، فبذلوا جهوداً جبارة لإبقاء ديمومة العمل فيها رمزاً ليس للعلم والإيمان فحسب، بل وقبلها، أن تظل دوماً شعاراً لمقاومة الاحتلال الظالم، في وقتٍ خلت فيه الكرة الأرضية جمعاء من وجود أي شعبٍ محتل إلا على أرض الأنبياء والرسل في فلسطين السليبة.

التعليق