علاء الدين أبو زينة

دعوة إلى حوادث السير..؟!

تم نشره في الخميس 4 كانون الثاني / يناير 2018. 01:07 صباحاً

قبل يومين، مررنا مساء بسيارة استقرت فوق الجزيرة الوسطية في شارع الأردن. وهذا المقطع من الجزيرة الوسطية من النوع الذي تجده يصعد أمامك فجأة في أماكن الالتفاف على الشوارع السريعة. وكان تقدير الذين معي أن السائق لم يرَ الجزيرة لأنه ليس عليها عاكسات واضحة، ولأن إنارة الشارع كله في الليل هي شبح إنارة في الحقيقة، لا تكاد تضيء شيئاً. ووجد الجميع فرصة للشكوى من صعوبة القيادة في الليل، حتى على الشوارع السريعة، بسبب سوء خدمة الشارع من ناحية وسائل السلامة.
بطبيعة الحال، يفهم الناس هنا مشكلة الكهرباء في البلد وكلفتها وما إلى ذلك، لكنَّ إنارة الشوارع الرئيسية بشكل مناسب هي شأن يتعلق بأرواح المواطنين وممتلكاتهم. وإذا كانت أرقام حوادث السير في البلد وضحاياها فلكية في وضح النهار وفي عز الصيف، فإن إضافة عنصر يمكن التحكم به نظرياً إلى أسباب الحوادث –مثل توفير الإنارة والخطوط والعاكسات- ليس حكيماً ولا يمكن الاعتذار عنه بالتوفير. وعلى سبيل المثال، لا يجب الترويج لفكرة تغيير مصابيح الإنارة القوية بأخرى ضعيفة على أساس أنها توفر الطاقة أو تخفض الاستهلاك، لأن هذه "المكاسب" الظاهرية هي خداع للذات. وإذا تم تقدير الأرواح والقيم المادية للمركبات وبقية الأضرار والعواقب النفسية والاجتماعية والمادية التي تنجم عن الحوادث بسبب عتمة الطرق، فإنها سترجح بلا شك على أي شيء يُزعم توفيره. وفي النهاية، لا شيء يعوّض عن خسران الأرواح إذا كانت تذهب نتيجة الإهمال والتغاضي عن أشياء غير خارجة عن نطاق الإرادة.
مصابيح الشوارع في عمان أقرب إلى "النواسات" التي تضاء في غرف النوم ليلاً –ليس لتنير بقدر ما هي لجلب "الونَس" فقط. وهي توضع ليستأنس السائر أو السائق بوجودها في الطريق دون أن يستنير بها بما يكفي ليرى كما يجب. وإذا أراد أحد أن يمشي على قدميه ليلاً في الشوارع ضيقة الأرصفة أو التي بلا أرصفة، فإنه سيكون عرضة للصدم في الضوء الشحيح. أما القيادة في ليلة مطيرة، فمغامرة مصحوبة بالقلق، حيث تعتمد السلامة على التخمين والتقدير أكثر مما يخدمها تأثيث الشوارع.
لأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن هناك الكثير من الأمور في الشوارع، والتي تخلق الانطباع بأن أحداً كأنما يقول للناس: "تفضل اعمل حادثاً"! وفي مسافة بضعة كيلومترات أمر بها يومياً، هناك على الأقل خمسة أماكن مصممة للحوادث، حيث يخرج السائقون من شوارع فرعية ممنوعة بعكس اتجاه السير إلى الشارع الرئيسي. ولا يمكن تقريباً أن تمر بها في أي وقت من الليل والنهار دون أن تجد أحداً يخالف ويخرج منها. وتستطيع أن تفكر، وأنت لست مختصاً، بعدة حلول تمنع الناس من المجازفة غير الاعتماد على أخلاقيات مستخدمي الطريق التي يبدو أن عدداً أكثر من اللازم يفتقرون إليها. ولا يسعك إلا أن تتساءل عن عدم استخدام أي من الحلول السهلة التي يمكن استخدامها لتجنيب الناس الحوادث التي يجد البعض هواية في اختلاقها. وهناك أكثر من مكان يتقاطع فيه السير على شكل حرف X إجبارياً عند مداخل ومخارج الجسور، في وصفة مؤكدة للحوادث.
أتصوّر أن هناك نزوعاً خفياً في البشر إلى المغامرة وتكسير القواعد –حتى لو كان ذلك ينطوي على احتمال الكارثة، في حالة انتهاك قواعد السير بين أشياء أخرى. لكن الكثير من الدول تتمكن من كبح هذا النزوع بشدة القانون وإحكام الرقابة. ويبدو أن الإجراءات حتى الآن غير كافية لإلزام الناس بإطاعة القانون الموضوع لحماية أرواحهم وممتلكاتهم، بدليل أعداد المخالفات والحوادث.
مِن حقِّ الذين يحبون الالتزام بالقانون ويكرهون الاشتراك في حادث طوعاً أن تُوفَّر لهم هذه الإمكانية، سواء بتجنيبهم الوقوع ضحايا لرعونة الآخرين أو بتوفير سُبل السلامة على الطرق. وإذا كان القانون يُعاقِب صاحب الورشة الصناعية الصغيرة على غياب عناصر السلامة، فإنّ القانون يجب أن يسائِل المسؤولين عن غياب عناصر السلامة فيما هو أكبر وأخطر من الورشة، ومنها العاكسات والإنارة المعقولة على الطرق، كأضعف الأيمان.

التعليق