نادر رنتيسي

أين الشيوعيون؟

تم نشره في الجمعة 5 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

في مدن إيران الثائرة الآن، هناك كادحون في الأرض، وشغيلة من صغار الكسبة، وعاطلون عن العمل، ومطرودون من الحياة، وطلاّب علم وحريّة وعدالة اجتماعية، خرجوا إلى شوارع مشهد وطهران وأصفهان والأهواز، واجتازوا حوزة قم، ووقفوا أمام قوات الباسيج مطلقين الهتافات التي حرّض عليها النضال الشيوعيّ “خبز وورود”، وكلّما امتدّ المشي أضافوا هتافا إلى البيان المفتوح، حتى خاطبوا “خامنئي المرشد” بالشجاعة المسؤولة وبالأدب السياسي الرفيع: “اسمح لنا يا سيّد علي.. حان وقت رحيلك”.
“انهض وناضل”.. هكذا حرّض قائد البلشفية، فلاديمير لينين، الكادحين والفلاحين وصغار الكسبة ضد القيصر. مات الآلاف في الأحد الدامي أمام قصر الشتاء، وكانت كتابات الشّاب المنفيّ إلى سيبيريا تحرضهم “لديك ما يكفيك من خبزٍ، ولكن ..ليس ما يكفي جميع الناس والأرض ملأى بالسنابل”، فانضمّ الطلابُ والعُشّاق إلى ثورته “لديك ما يكفيك من حُب، ولكن... ليس ما يكفي جميع الناس والأرض ورد ورسائل”، وقام الاتحاد السوفيتي على مبادئ المساواة، ونشأت أحزاب متأثرة وتابعة في كلّ أجزاء الأرض، وتحت الأرض العربية نبتت الأحزاب السريّة، وأصدرت بيانات للدفاع عن حقوق الشغيلة في نيكاراغوا، وتأييد للثائرين في فيتنام، ومحبّات للرفاق في “كوبا الأبيّة”
كلُّ هذا كان حلما ثوريا.. ولا بأس أيضا بموسيقى مصاحبة: الشيخ إمام، مارسيل خليفة، وخالد الهبر، وشِعْر تقريري خال من الشّعر، وجرائد من أربع صفحات تخبّأ داخل المعاطف، واجتماعات متباعدة في أماكن تخضع للتغيير المستمر للمراوغة الأمنية، والمشي في المسيرات التي لا تزيد طرقها عن كيلومتر واحد، وإنشاء مكاتب طلابية في الجامعات ينضم إليها طلاب نزقون يريدون أنْ تصل الراية الحمراء إلى سوق الخضار المركزي. كانت الأحلام مشروعة، والمبالغة فيها مباحة، وكان المحرّر السياسي يكتبها صريحة في صحيفة “من لا صوت له”، تحت المنجل والمطرقة، والشعار “يا عمال العالم ويا شعوبه المضطهدة، اتحدوا”.. ولم يستثن أحدا!
قامت ثورات قريبة، واحدة في دمشق ومدن سورية، وترنحت أنظمة استبدادية تحكم بالعائلة والطائفة، وجرت أنهار دماء أمام قصور الصيف والشتاء، في أيّام الآحاد والجمع، وكان من المنطقيّ أن تكون الأحزاب الشيوعيّة واليساريّة هي التي تتقدم الخطوط المشتعلة، وتخرج من الشارع ذي الكيلومتر الواحد، ويكون لصحفها مراسلين حربيين، يبالغون في تقدير تقدم القوات الثائرة وتقهقر قوات الاستبداد. انتظرنا طويلا تقدّم “الألوية الحمراء”، ولمّا يئسنا توقعنا في أضيق الأحوال أنْ يصدر بيان حادّ ضد قوى القهر والاحتكار، ونداء أخير للعمّال والشعوب المضطهدة أنْ يتحدوا.. فاتحدوا مع “الملالي”.
أين الشيوعيون، ومدن إيران تنتفض بالكادحين والفلاحين والطلاب ضدّ دفع فواتير الحروب الطائفية في صنعاء ودمشق وبغداد، يريديون أن تكفّ بلادهم عن دفع أجور المرتزقة الذين يسلخون جلود السوريين في حلب وحماة ودرعا، ويريدون خبزا يكفي جميع الناس، فالأرض ملأى بالسنابل، وحرية، وسلاما، وتوزيعا عادلا للثروات، وشعارهم بسيط لا فلسفة فيه، ولا صياغة أميركية، واضح بالفارسية، وله ترجمة عربية لا لبس فيها: “فكروا بنا”. لن ننتظر الألوية الحمراء، ولا بيانا تحت شعار المنجل والمطرقة، فعودوا، أيها الشيوعيون، إلى المقرات السرية تحت الأرض، لنختلق لكم عذرا، ونقول إنّ الشبكة لديكم معطلة، وإنّكم خارج التغطية!     

التعليق