"القرض الحسن": أمثولة تكافل مع الفقراء

تم نشره في الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

دبي- يحاول تاجر مصري تطبيق منهج "القرض الحسن" مع عملائه من الفقراء، فقرر أن يبيع لهم "بالأجل" بنفس سعر البيع النقدي العاجل دون أي زيادات أو مصروفات ووفقا لقدرة كل فقير، خاصة هؤلاء الذين تضطرهم ظروفهم المعيشية الصعبة إلى الشراء بالأجل لتزويج أولادهم.
التاجر الذي تحفظ عن ذكر اسمه قال إنه لم يفعل ذلك بحثا عن شهرة أو طمعا في ثناء الناس، "لأنني أطمع في رضا الخالق سبحانه وتعالى وتطهير مالي من أي شوائب تكون قد علقت به، والذي هداني إلى ذلك هو حديث نبوي شريف يقول "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.
من ناحيته، أشاد الدكتور محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، بسلوك هذا التاجر الصادق، مؤكدا أن ما فكر فيه وطبقه هو عمل خيري إسلامي، لأنه يسهم في تخفيف المعاناة عن الفقراء وأصحاب الحاجات شريطة أن ينتقي من يستحق ذلك ويكون من أصحاب الحاجات بالفعل، لأننا في حاجة إلى تحجيم البيع الآجل وقصره على حالات الضرورة بعد أن انتشرت الاستدانة دون ضرورة في بلادنا العربية بشكل كبير، وأصبح الشراء بالأجل آفة كثير من الناس الذين يكلفون أنفسهم فوق طاقاتهم ويشترون أشياء ترفيهية دون ضرورة.
ويضيف: "لا خلاف على أن الشراء بالأجل دون استغلال من الأمور المباحة شرعا لتيسير الحياة على الناس وتنشيط الأسواق بما يعود بالنفع على البائع والمشتري والمنتج والمجتمع كله.. لكن التجاوزات التي صاحبت انتشار هذه الظاهرة تدفع العلماء والخبراء إلى تقديم النصيحة بالترشيد وتحكيم الضوابط والقواعد الشرعية حتى لا تتعاظم التداعيات السلبية على الجميع".
ويؤكد الدكتور غنايم أن ما يفعله هذا التاجر هو شكل من أشكال القرض الحسن، وهو عمل خيري إنساني حث عليه الإسلام، فهناك العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض المسلم على مساعدة المحتاجين، سواء أكانت هذه المساعدة عن طريق الصدقة والإحسان، أم عن طريق القرض الحسن الذي هو بمعنى السلف إلى أجل مسمى.
من ناحيته، أشاد أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر الدكتور محمد عبدالحليم عمر بسلوك هذا التاجر وحرصه على التخفيف من معاناة الفقراء ومحدودي الدخل، ويؤكد أن القرض الحسن الذي يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان ليقضي به حاجته وقت الشدة من أعظم أبواب الخير التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم القادر حتى يسهم في مساعدة أصحاب الحاجات، وما أكثرهم في البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر، حيث تضاعفت أعداد الفقراء وزادت نسبة محدودي الدخل وكثرت الديون على المسلمين في كل مكان.
ويقول: "من صور القرض الحسن البيع للفقير أو صاحب الحاجة بثمن آجل دون استغلال، ذلك أن بعض الناس قد يحتاج إلى إنفاق مال على حاجة له مثـل زواج ابنته أو مصروفات المدارس أو مصروفات العلاج، ولا يمكنه تدبير المبلغ الآن، فيطلب قرضا من أخيه أو يطلب شراء السلعة بالأجل مثـل شراء ملابس لأولاده.
ويطالب الدكتور يوسف إبراهيم، أستاذ الاقتصاد ومدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر،
بنشر ثقافة "القرض الحسن" في مجتمعاتنا الإسلامية عن طريق مؤسسات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والنقابات والأحزاب وغيرها، ويحذر من إضافة أي مصروفات فوق قيمة القرض".
ويرى أن القرض الحسن من "عقود الإرفاق"، وهي العقود التي يكون المقصود منها الرفق والتيسير على طرف من أطراف العقد، وهو المدين، ويقول: عقد القرض من العقود التي مبناها التيسير والرفق بالطرف المحتاج، إذ طبيعة عقد القرض أنه عقد إرفاق وتيسير بالمدين ومساعدة له على أن يخرج من ضائقة، أو يتغلب على وضع وجد فيه نفسه محتاجا إلى الاستعانة بإمكانات غيره من إخوانه القادرين على تقديم هذه المساعدة، وإخراجه من هذا الوضع الذي وجد نفسه فيه.
وبما أن القرض من عقود الإرفاق، وليس من عقود المعاوضة، فمعنى ذلك أن الدائن لا يصح أن يأخذ من المدين شيئاً فوق القرض الذي قدمه لمدينه.. فالدائن ليس له حق في الحصول على شيء ما من المدين فوق القدر الذي قدمه له من المال، وأي زيادة فوق ذلك إذا كانت مشروطة في العقد فهي الربا الذي حرمه الله تعالى أشد التحريم، وأنذر آكله بحرب من الله ورسوله، بل وأشرك مع آكله الكاتب والشاهد والمعطي له.
فالحصول على مقابل من المدين يناقض الرفق والتيسير الذي هو مضمون العقد، فهو يقترض لسد حاجته، وتكليفه بشيء فوق القرض، زيادة في احتياجه وليس تخفيفا لهذه الحاجة.
أما ما يردده الذين يبيحون الفائدة على القروض بحجة أنها مقابل النقص الذى يتعرض له مبلغ القرض من جراء انخفاض القوة الشرائية للنقود، أو ما يعبر عنه بالتضخم، فيرى الخبير في المعاملات الإسلامية إن انخفاض القوة الشرائية للنقود أمر احتمالي، وإذا كانت بعض العملات تتعرض لانخفاض قيمتها، فإن بعضاً منها ترتفع قيمته، ومن ثم فهذا أمر غير منضبط لا يمكن أخذه في الاعتبار، وإلا فهل الذين يقولون بذلك يقبلون أن يدفعوا للمدين مقابل ارتفاع القوة الشرائية للنقود إذا حدثت؟ إنهم بالقطع لا يقبلون. فيظهر من هذا أنها ادعاءات وتبريرات لإباحة الربا الذي حرم الله تعالى قليله وكثيره، ولعن آكله".
وحول التذرع بانخفاض القوة الشرائية، يرى أن ذلك لا يحدث إلا في الآجال الطويلة، ولا يحدث بين يوم وليلة، ومعظم الديون تكون قصيرة الأجل فلا أثر كبير عليها، وفي الديون طويلة الأجل يستطيع المتعاملون اللجوء إلى توسيط عملة ثابتة القيمة، أو سلعة عينية يتم القرض بها، ويتم ردها عند الوفاء بالقرض، ومن ثم لا تتعرض أموال الدائن للتناقص.-(وكالات)

التعليق