الفرد والجماعة.. والمصالح الوطنية

تم نشره في الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2018. 01:06 صباحاً

قبل سنوات طرح احد المسؤولين في قطاع الشباب فكرة اشراك عشرات الآلاف من طلبة المدارس الثانوية في برنامج رحلات وعمل صيفي يطوف خلاله الطلبة ارجاء المملكة في اربعة اسابيع. وعند سؤال صاحب الفكرة عن الاموال المرصودة للمشروع اجاب بانها غير متوفرة لكنه سيخاطب القوات المسلحة بخصوص المواصلات وسيتم تدبير بقية المستلزمات من جهات اخرى. واضاف "المشروع وطني، ويعني الطلاب سيتحملون". هذه الحالة ظلت عالقة في ذهني منذ ذلك اليوم ويعاودني المشهد كلما سمعت حديثا عن المواطنة.
 في العديد من مجتمعاتنا العربية يشتد الحديث عن المواطنة والتضحية والانتماء بالتزامن مع اتخاذ الاجراءات التقشفية ورفع الضرائب في اوضاع وظروف اقتصادية صعبة. في حالات اخرى يجري الاعتذار للبعض عن التقصير والاهمال وسوء المعاملة بالقول "يا الله عليك أن تتحمل.. كله يهون في سبيل الوطن". لذا فمن غير المستغرب ان يرتبط مفهوم المواطنة والانتماء في اذهان الشباب بواجب التضحية والتحمل لضنك وقساوة العيش بدلا من الاستمتاع بالحقوق والرفاه والسعادة.
لا يكاد يمضي يوم دون ان نستمع فيه الى بيان او تصريح او حديث لسياسي عامل او متقاعد يتحدث فيه عن المصالح الوطنية وضرورة الوقوف صفا واحدا من اجل رفعة الوطن وحمايته من الاخطار والتهديدات وتكرار الدعوات لوقف الهدر وتبني سياسات تقشفية والدعم المطلق لمبدأ الاعتماد على الذات وحماية الطبقة الوسطى وأردنة سوق العمل ومحارية اشكال الفساد وتبني ثورة بيضاء تصلح شؤوننا الداخلية وتعيد للمؤسسات هيبتها وترفع منسوب الاعتزاز الوطني والانتماء والاحساس بالمسؤولية لدى المواطنين.
الحكومة والنواب والصحفيون والمحاضرون والوعاظ وكتاب الاعمدة ومذيعو الاخبار والبرامج الخاصة يسترسلون في شرح ما ينبغي ان يقوم به الجميع من اجل الوطن ويسوقون عشرات الامثلة عن تضحياتهم الشخصية في سبيل ذلك ويدعوننا ان نحذو حذوهم. الكثير من هؤلاء المتحمسين تخبو حماستهم حالما يغادرون مواقعهم. واحيانا قبل ان يبتعدوا عن منصة الخطابة.
 ما من شك ان كثيرا ممن يتغنون بالمصالح الوطنية والهم العام يعنون ما يقولون وقد يذهبون في تنفيذ شعاراتهم ووعودهم الى الحد الذي يسمح بتنفيذها وتحقيق مضامينها لو توفرت الشروط والظروف الملائمة لذلك. التباين بين ما يقوله الناس في الخطابة والعلن وما يقولونه ويقومون به في الخفاء مشكلة حقيقية تواجه مجتمعاتنا وتؤثر على علاقاتنا ومصداقيتنا وإنجازنا. كما انها باتت احد اهم الامراض الاجتماعية والسلوكية التي تهدد القيم والاخلاق ومستوى الثقة والتوقع.
 البعض يفسر التناقض المستمر بين تصريحات الشخصيات العامة وممارساتها الى حالة التباين بين ما يطلبه الافراد كناخبين وبين ما يتطلبه النظام العام لإدامة قدرته على اداء الادوار والمهام التي لا غنى عنها، في حين يرى البعض أن المشكلة تكمن في ضعف التكوين المهني للشخصية العامة ومحدودية اطلاعهم على المتغيرات والقواعد الموجهة وسرعة تأثرهم باتجاهات وميول الشارع دون إدراك التعقيدات والتفاصيل الضرورية لاتخاذ القرار.
المصالح الوطنية مهمة للجميع افرادا وانظمة وجماعات. لكن تحقيقها لا يتم بالماراثونات الخطابية التي نجريها حول أهميتها. الافراد لا يدافعون عما لا يرون لهم مصلحة فيه مهما استخدمنا من المهارات الخطابية. الالتفات الى حاجات ومتطلبات الافراد واشاعة اجواء العدالة وتكافؤ الفرص وتهيئة المرافق والمؤسسات الخدمية والتنموية للعناية بحاجات الانسان وحفظ كرامته هي الوسائل الاساسية والاهم للحد من حالة النفاق المستشرية بفعل التباين بين القول والعمل.
 الانتهازية وتنامي ظاهرة استغلال البعض لمواقعهم من اجل تعزيز مصالحهم الفردية على حساب كل ما هو عام وجمعي بعض من الامراض الاجتماعية التي تنشأ في الظروف التي يجري فيها تجاهل الافراد وحقوقهم لحساب الجماعة والاهداف المثالية.
الوساطة والرشوة والمحسوبية والاختلاس واساءة الائتمان وشراء الاصوات والتزوير ونقل الممنوعات في السيارات الرسمية انماط سلوكية يلجأ لها البعض تحت مبررات انهم اعطوا دون ان يتلقوا ما يستحقون من مجتمعاتهم.
 الثورات التي أسست لنهضة العالم الغربي أطلقت العنان لمواهب الافراد فكانت المحرك وراء إنجازاتها العلمية والصناعية والاقتصادية والسياسية التي حققت لها السبق حتى يومنا هذا.

التعليق