عيسى الشعيبي

"هبنقة" بنسخة أميركية معدلة

تم نشره في الثلاثاء 9 كانون الثاني / يناير 2018. 01:05 صباحاً

ما إن رد الرئيس الاميركي، من منتجع كامب ديفيد الشهير، على عاصفة التهم الواردة في كتاب "نار وغضب في بيت ترامب الابيض" قائلاً: انا عبقري وراجح العقل جداً، حتى طفت في الذهن، من قعر الذاكرة الى سطحها، حكاية احد المغفلين في التراث القديم، وربما اشهرهم على الاطلاق، اسمه هبنقة، كانت العرب تضرب به المثل قائلة؛ أحمق من هبنقة، الذي اضاع ديناراً ذات يوم، فسُمع ينادي في السوق؛ من يعثر على ديناري ادفع له دينارين، فقال له احدهم؛ ما الحكمة في ذلك وانت الخاسر، فرد: اريد الاستمتاع بالعثور، ولو مرة، على شيء أضعته.
مع شدة الفوارق بين الشخصيتين والزمانين والمكانين والثقافتين، فقد بدا لي دونالد ترامب كأنه نسخة اميركية منقحة عن سيد المغفلين العرب هبنقة، رغم ان صاحبنا ذائع الصيت لم ينسب لنفسه العظمة، ولم يدع العبقرية، وبالطبع ليس في اسرته نساء شقراوات، ولا زر نووي اكبر من زر حفيد كيم ايل سونغ، واكثر من ذلك لم يمتدح أحمقنا نفسه، وكل مادح لنفسه كذاب، ولم يكن ايضاً بهذه النذالة والفجور، يوقع بين اصدقائه وزوجاتهم، قبل ان يدخل الى المكتب البيضاوي، كي يظفر بعلاقة سرية مع احداهن، وفق ما ورد في الكتاب المثير آنف الذكر.
ولا احسب ان رئيساً اقام في واشنطن على مدى القرنين الماضيين، او في اي عاصمة اخرى عبر العالم، تعرض للهجوم منذ اليوم الاول وبهذه الضراوة، ولا الى مثل هذا التشكيك بمؤهلاته القيادية، وكل هذا الطعن المتواصل بأهليته الرئاسية وقدراته العقلية، وبهذه الدرجة ايضاً من القسوة، وسخر منه مساعدوه وموظفوه الى هذا الحد، بحسب ما جاء في الاصدار، الذي وصفه ترامب انه كتاب ممل ومليء بالأكاذيب، قبل ان ينزل الى المكتبات، علماً ان هذا الرئيس لا يقرأ التقارير المرفوعة له، ولا جَلَد لديه حتى في الاستماع الى تلاوة الملخصات، لا سيما اذا كانت المسائل تحتاج الى إعمال الذهن، وتتطلب منه اتخاذ قرارات معقدة.
ولعل السؤال هو؛ ما الذي يعنينا نحن من وراء هذه العاصفة الهوجاء، ان لم نقل هذا الزلزال السياسي ذي الارتدادات التي قد لا تتوقف في المستقبل المنظور؟. هل هي الشماتة بالرئيس الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقرر نقل سفارة بلاده اليها، في واقعة اعادت للذهن فعلة بلفور؟. ام الخشية من وجود شخصية غير سوية متربعة على سدة اقوى واعظم دولة في العالم، تغرد بما تشاء من مواقف اعتباطية، وتملك مفتاح مفاتيح القرار الدولي في مجلس الامن وفي خارجه؟. هل نتنفس الصعداء ونحن نرى الرجل البرتقالي يفقد بريقه، ويخسر زعامته العالمية؟.
في الواقع لا يملك الواحد منا الا ان يقول؛ ان الولايات المتحدة، وهي الدولة العظمى الوحيدة، تستحق رئيساً افضل من رجل العقارات المهووس بعقد الصفقات الكبرى، بما في ذلك صفقة القرن، التي اصبحت أثراً بعد عين عقب هذه الفضائح المدوية، وقد لا يستطيع اي منا  ان يتستر على اغتباطه بانحدار مكانة اصدق اصدقاء اسرائيل في واشنطن الى اسفل الدرك، قائلاً في نفسه؛ "خرجها" عصابة المستوطنين الفاشيين في الدولة العبرية، يليق بها مثل هذا الحليف الاستثنائي، الذي قد يطيح به الاميركيون في وقت قريب، ويسفهونه، خصوصاً اذا شعرت قاعدته الجمهورية بقرب جنوح المركب، وراح الشيوخ والنواب يقفزون منه قبل الغرق سلفاً.
وليس من شك في ان الديمقراطيات العريقة قادرة، مهما طال الوقت، على تصحيح الاخطاء التي ترتكبها، بما في ذلك وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب، وان لديها ايضاً الآليات الفعالة لتصويب المسار واعادة القطار الى السكة في نهاية المطاف، وهو ما نرجح ان الديمقراطية الاميركية ستقوم به دون تأخير كثير، وما علينا الا ان ننتظر الإرهاصات المقدر لها ان تنجلي في هذا المخاض الكبير عن نتيجة باتت متوقعة، وان نترقب التفاعلات الناجمة اساساً عن كتاب بيع منه في الساعة الاولى نحو ربع مليون نسخة، وقد يدونه التاريخ المعاصر كأول كتاب اطاح برئيس اميركي، بدا من الوهلة الاولى غير جدير بهذا المنصب الرفيع. 

التعليق