سائد كراجة

الإرهاب والزرقاء

تم نشره في الأربعاء 10 كانون الثاني / يناير 2018. 01:03 صباحاً

بادرني صديقي الزرقاوي قائلاً؛ سيبك من مقولة أن الفقر يصنع الاٍرهاب والتطرف، فمدينة الزرقاء طول عمرها مدينة الطبقة المتوسطة الميَالة للفقر، ولكن كانت فيها دور للسينما ومتنزهات كبيرة، وكانت مع فقرها مدينة المطاعم والمصايف ومقصد الأردنيين في الرحلات العائلية على مجرى السيل، وكانت مدينة تعايش مدني إسلامي مسيحي، ليس على صعيد رجال الدين - كما يحصل الْيَوْمَ - بل على صعيد رعاياهم من مسيحيين ومسلمين تعايشوا بسلامٍ لعشرات السنين.
إذاً  ماذا جرى؟!، تساءلت. أجاب، وكان قد أسَرّ لي أن أعضاء الخلية المتطرفة التي قبضت عليها دائرة المخابرات كلها تقريباً من الزرقاء، اسمع؛ بعض المدن شعرت فجأة أنها خارج اللعبة، كأنها صارت عبئا على الدولة، وكأن حديث الإصلاح لا يخصها، سمعت تلك المدن عن خطاب "ترشيق القطاع العام" مثلاً قبل أن تلمس معالم للتنمية حيث يشعر المواطن فيها أنه بأمان إن سعى واجتهد. وأن في تلك الخطط بديلاً عن الوظيفة والقطاع العام، قُدم الإصلاح من الحكومات وكأن الدولة فسخت عقد الزواج مع تلك المدن الذي استمر أكثر من ستة عقود ودون سابق إنذار، هذا الفراغ في "الحالة الوطنية" أستُغِل أبشع استغلال من قبل فئة من المتطرفين التي هاجرت مع بداية التسعينيات لعقر كثير من مدن الأردن ومنها الزرقاء، وصارت الزرقاء مدينة "الزرقاوي المتطرف"  بعد أن كانت  مدينة المياه الزرقاء.
أما الإسلام السياسي الذي عمها - وقد قضى على كل القيادات السياسية والشبابية الأخرى - فإنه كان مشروعاً تحريضياً ضد الدولة أو على أقل تقدير كان مشروعاً لتجاوز الدولة وطرح بديل متخيل عنها وجد فيه بعض الشباب ملجأً لأمانيهم، خصوصا أن الإسلام السياسي ألبسه قناع التدين والمتاجرة في الدين.
شعرت برغبة عارمة لطمأنة نفسي فقلت له: يبدو أن الدولة تسمعك جيداً؛ لقد اطلعت على مشروع متكامل لبرنامج تنموي لمدينة الزرقاء للأعوام 2017 - 2019 وهو استمرار لبرامج حكومية متلاحقة متراكمة، يبدو أن الدولة عائدة بقوة وفي شراكة حقيقية بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني وقد اعتمدت برامج تنموية للمحافظات ومنها الزرقاء.
أستاذ؛ نبهني بحزم خفيف تلفه سخرية موجعة: بحب من خلالك أن أسر للحكومة بسر زرقاوي؛ أن طريقها لقلب الزرقاء كاملة وإلى قلوب أهلها رجالاً ونساءً هو  إيجاد حل لأزمة السير بين الزرقاء وعمان، وكم أتمنى لو أن وزيراً واحداً من الحكومات الحالية والسابقة يصاحب أهل الزرقاء في رحلة الشقاء والمخاطرة اليومية على جسر الزرقاء، الخطط مهمة ومفيدة يا أستاذ، ونحن نفهم أن التخطيط يمكن أن يكون قصير الأمد ومتوسط الأمد وطويل الأمد، ولكن من المفيد أن تهجم الحكومة لحل قضايا تترك أثراً في نفوس الناس وتقنعهم بجدية أعمال التنمية التي تعلن عنها الحكومة.
أحس صديقي الزرقاوي بأنه نوعاً ما قد أسقط في يدي؛ فبادرني قائلاً، ولا تفزع  أستاذ، هذا الوطن عصي على أعدائه وسينتصر، ونحن محظوظون بأجهزة أمنية يقظة- قالها بفخر وثقة - وهي تقف بالمرصاد لكل أعداء الوطن، ودعني أطمئنك بأن عقول وقلوب الأردنيين مع الوطن ولن يخذلوه.
نعم لنا أن نفخر بكل الجهود الأمنية التي تقوم بعمل يقدره القاصي والداني، ولكن أعتقد أن أهم دعم أمني للوطن هو الأمان الاقتصادي، ولا يجوز أن نركن إلى الخيار الأمني وحده، وحالة التأهب المستمرة التي تعيشها الأجهزة الأمنية، إن أي تقدم تنموي على أرض الواقع ضروري وعاجل لشعور المواطن بالطمأنينة وهو مقاومة وتحصينٌ للشباب من أن يكونوا فريسة لخطاب التطرف والإرهاب.
 أيتها الحكومات نناديكم بخطاب العسكر؛ استعد، تأهب، وكونوا قريبين من المواطنين، قدموا خطوات صغيرة تغيّر في حياتهم، وبعدين خططوا لخطط طويلة على مهلكم، وتذكروا أن الصحة والمواصلات والتعليم والثقافة عموماً تمثل طرقاً سريعة لقلب المواطن فهل تسلكونها.
الصراحة أن وطناً فيه شباب مثل صديقي محمد الزواهرة لا خوف عليه ولكن علينا أن لا نخذلهم وأن لا نتأخر عليهم بالحلول التنموية المتكاملة، وضرورة أخذ بعض الإجراءات العاجلة لبث الطمأنينة في نفوسهم.

التعليق