"النار والغضب"

تم نشره في الجمعة 12 كانون الثاني / يناير 2018. 01:09 صباحاً

لم يتوقع ترامب – النرجسي والأحمق والمدّمِر – اشتعال النار وانصباب الغضب اللذين هددا بهما كوريا الشمالية، في ثيابه وعليه في بيته الأبيض، بعود الكبريت الذي ولعه فيه : كتاب مايكل وولف: "النار والغضب داخل بيت ترامب الأبيض".
طيَّر الكتاب صواب ترامب وأسرته وبيته الأبيض ومتزلفيه لأنه نشر غسيلهم الوسخ على الملأ، فشنوا حملة شعواء على الكاتب والكتاب والكاشف لهما عن هذا الغسيل ستيف بانون – صديق ترامب الحميم وكبير استراتيجييه الذي استغنى عنه فيما بعد.
ما يهمنا في هذا الكتاب هو ما يخصنا ويعنينا أكثر من أي شيء آخر فيه. ومن ذلك أن الصهاينة واليهود الإسرائيليين هم المسيطرون إجمالاً على الإدارة الأميركية في الظاهر والباطن، لدرجة تعيين ترامب مفوضين إسرائيليين "مستوطنين" لما يسمى عملية السلام.
الدليل الثاني قيام بانون بمجرد تعيينه بوضع أجندة عمل للرئيس تتكون من مئتي أمر تنفيذي كان أولها نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وإعلان الترحيب بنتنياهو وشلدون أدلسون في البيت الأبيض في كل وقت. وشلدون أدلسون هو الممول الكبير للحزب الجمهوري وحملاته الانتخابية، والمستوطنات في إسرائيل، وجريدة إسرائيل اليوم المجانية فيها.
الأمر الثاني في الأجندة فقد صار الأمر الأول الذي أصدره ترامب وهو منع المسلمين من الهجرة إلى أميركا. وكان هدف بانون من صدوره كما قال للمؤلف: "سحق الليبراليين في أميركا وجعلهم يُجنّون ودفعهم إلى اليسار".
كان بانون يقول وهو في قمة السلطة والسعادة: نحن نعرف "وين رايحين". دع الأردن يأخذ الضفة الغربية ومصر تأخذ سيناء، وليغرقا في الوحل بعد ذلك".
مع أن بانون أحد غلاة اليمين المتطرف إلا أنه في أعماقه لاسامي في نظر بعض اليهود. أما الدليل عليه فعمله المتواصل على فصم العلاقة بين صديقة ترامب والبليونيير اليهودي ميردوخ، مالك شبكة فوكس الإعلامية، الذي كان كثير الاتصال (الهاتفي) مع ترامب وفي أي وقت، والذي كان ترامب يصفه لمقربيه بأنه أحد العظماء وآخر العظماء في العالم، "غير مدرك أنه هو نفسه الرجل الأعظم في العالم"، كما يقول المؤلف.
كان بانون يقول لترامب: "ميردوخ لا يعرف شيئاً عن السياسة الأميركية، وأنه ليست لديه مشاعر نحو الأميركيين، وأنه ليس أميركياَ"، ولأن ترامب كان يتأثر بميردوخ لأنه كان آخر من يتكلم معه في الهاتف معظم الوقت، فقد كان بانون يعمل لإزالة ما علق بذهن ترامب منه.
لعلَّ إحساس أسرة ترامب وبخاصة ابنته إيفانكا وزوجها اليهودي الصهيوني الإسرائيلي كوشنر بلاسامية بانون سَرّع بإزاحته من البيت الأبيض. ويؤيد ذلك الصحفي الإسرائيلي سيفر بلوتسكر في يديعوت أحرونوت، مذكراً الإسرائيليين بما قدمه ترامب لهم: لقد "أطاح (ترامب) من دائرة رجال ثقته مندوبي اليمين الآيدلوجي مع اللون اللاسامي، في صالح عائلته اليهودية. ومن عموم سلوكه تجاه الفلسطينيين ينشأ استنتاج واحد ووحيد: "ترامب ببساطة لا يطيقهم، وهو يرفض رفضاً باتاً الرواية الفلسطينية، ومستعد أن يتخذ ضدهم خطوات بعيدة الأثر جداً حتى أن حكومة نتنياهو تتحفظ منها"، أي تتحفظ من اتخاذها. وأعتقد انه يقصد القول: إن ترامب يُصرّ على وضع نهاية للعملية السلمية وإغلاق باب القضية بالمفتاح الإسرائيلي وكأنه لم يبق شيء اسمه فلسطين أو حقوق للشعب الفلسطيني.
ومما يثير الانتباه في استراتيجية بانون اعتباره  "الصين العدو الأول لأميركا، فالصين هي كل شيء، ولا يهمنا بعد ذلك أي شيء آخر. وإذا لم نستطع ضبط الصين فإننا لن نستطيع ضبط أي شيء آخر".
وكما يرى القارئ العربي والمسلم فإن ما يجري في البيت الأبيض لا يشبه إلا ما يجري في دوائر المافيا والعصابات المنظمة، فالعالَم بالنسبة إليهم مجرد ميدان، وفلسطين والعرب والمسلمون فيه لا يصلحون إلا للمطاردة والصيد، ومن ثم فإن هذا "البيت" لا ينشد صداقتهم ولا يقيم لها وزناً ولا يرحب بها حتى وإن عُرضت عليه على طبق من ذهب.
وأخيراً نجد أنفسنا نحدثها في نهاية اليوم فنقول: لا نستطيع قطع العلاقات مع أميركا ولا النجاح في مقاطعة سلعها فحتى في أيام الحرب الباردة لم تنقطع العلاقة بين الاتحاد السوفيتي وبينها لكن الحذر واجب من أميركا المتلونة والمتقلبة مع غير إسرائيل.

التعليق