بانون يُفرغ كل شيء

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
  • الاستراتيجي السابق ستيف بانون والرئيس الأميركي دونالد ترامب – (أرشيفية)

إليزابيث درو*

واشنطن العاصمة – أثار الكتاب الذي صدر للتو حول دونالد ترامب ورئاسته المختلة (نار وغضب: داخل بيت ترامب الأبيض) قلق الكثيرين في واشنطن. وعلى الرغم من تهديد البيت الأبيض المشبوه دستورياً بمحاولة منع نشر هذا الكتاب، تم تقديم موعد نشره أربعة أيام. ولكن جل المعلومات التي يحتويها هذا الكتاب ليست كلها مفاجئة، على الرغم من القلق الكبير الذي سببته.
لم يتضح بعد كيف حصل مايكل وولف، مؤلف الكتاب المثير للجدل، على بعض معلوماته، لكن من المؤكد أنه سجل العديد من مقابلاته، وخاصة تلك المستخدمة في المحادثات الطويلة التي تضمنها الكتاب. وكان هدف وولف يتمثل في الحصول على شهادات منسوبة إلى كبار المسؤولين حول كيفية اشتغال الرئيس.
لكن الكتاب يخبرنا في الغالب عن ما كان يعرفه معظم الصحفيين السياسيين في واشنطن مسبقاً: أن ترامب غير مؤهل ليكون رئيساً، وأن البيت الأبيض أصبح نقطة شديدة الخطورة بسبب مساعدي الرئيس عديمي الخبرة. والمفاجأة الوحيدة هي أنها لم تظهر أي كوارث أخرى -على الأقل حتى الآن.
جزء كبير مما صدر قبل نشر الكتاب يتعلق بمعركة بين أكبر ثرثارين ومتكبرين عرفهما التاريخ السياسي الأميركي: ترامب ومستشاره الاستراتيجي السابق ستيف بانون. في صيف العام 2016، مع افتقار حملته إلى قائد، عين ترامب بانون رئيساً تنفيذياً للحملة -وهو رجل أعمال سابق عدواني ووضيع، وكان حينها الرئيس التنفيذي لبريتبارت نيوز، وهو موقع إلكتروني يشجع تفوقية البيض -كان لدى بانون أفكار كثيرة حول ما ينبغي أن تكون عليه حملة "شعبوية" يمينية.
غير أن حملة بانون المثالية كانت تشبه إلى حد كبير، بطرق عدة، ما كان يقوله ويقوم به ترامب بالفعل: مناشدة العمال ذوي الياقات الزرقاء عن طريق مهاجمة الهجرة - على سبيل المثال، كان يقول إنه سيبني "جدارا كبيرا وجميلا" على طول الحدود مع المكسيك، الذي سيدفع ثمنه المكسيكيون -وسيفسخ الاتفاقات التجارية التي يدعي ترامب أنها غير عادلة للولايات المتحدة. وقد شكل هؤلاء الناخبون القاعدة الأساس لترامب، ونجاح في استقطابهم، في وقت فشلت هيلاري كلينتون في القيام بذلك، الأمر الذي يوضح سبب فوزه بمنصب الرئيس بدلا عنها.
مشكلة ترامب هي أن المواطنين الذين كان يحاول إقناعهم لم ينضموا أبدا إلى الأغلبية من الناخبين. ومثلت "قاعدته" أقل بكثير من 40٪ من الناخبين. ولكن ترامب وبانون يفضلان عدم التفكير في ذلك، على ما يبدو.
يُحب ترامب لوم الآخرين على فشله وأخطائه، وهو لا يعتبر نفسه المسؤول عن هذا الفشل. وقد تحمل بانون تبعات ذلك، وهو الذي تفاخر بسلطته في البيت الأبيض بشكل مبالغ فيه، وتشبث بمنصبه أكثر من اللائق. وتم طرده من الإدارة فعلاً وغادرها في آب (أغسطس). وعلى الرغم أنه وترامب بقيا على اتصال بعد ذلك، لكن خلافهما كان أمراً لا لبس فيه.
كان ترامب وبانون رجلان سمينان يحاولان تقاسم كيس نوم واحد. ولم يكن عالمهما السياسي كبيراً بما فيه الكفاية. وقد اختلفا بشدة حول من يؤيدان في سباق ملء منصب سيناتور ولاية ألاباما؛ ولكن مع إلحاح بانون، أيد ترامب في نهاية المطاف قاضي المحكمة العليا السابق روي مور، الذي كان قد أزيل من مقعده مرتين، والذي خسر السباق في النهاية. وكان بانون يسعى إلى هزيمة "المؤسسة" الجمهورية من خلال دعم مرشحين "خارجيين" مشابهين في انتخابات منتصف المدة لهذا العام، والتي لو نجحت، لكانت ستجعل من الصعب على ترامب الحصول على انتصارات في الكونغرس.
على الرغم من إنكاره، كان ترامب هو من وافق بشكل أو بآخر على السماح لوولف بإجراء مقابلات مع الموظفين في البيت الأبيض بشأن الكتاب، على الرغم من أنه كان معروفاً بتلفيق المواضيع. وكان ترامب على علم بهذه الحقيقة من خلال تجربته في نيويورك. ويعتقد بعض المساعدين أنهم كانوا يتحدثون إلى وولف "بشكل غير رسمي"، وهذا يعني أن تصريحاتهم لن تكون معلنة. ولكن، حتى لو كان ذلك صحيحاً، فمن الصعب تهدئة رئيس غاضب: لقد صرحوا بهذه المعلومات.
يرى ترامب أن خطيئة بانون العظيمة فيما يتعلق بكتاب وولف تتمثل في قوله أشياء سلبية للغاية عن أسرة الرئيس. وكان ترامب غاضباً بشكل كبير من وصف بانون لاجتماع عقده ابنه دونالد، وغيره من كبار موظفي الحملة في برج ترامب في حزيران (يونيو) 2016 مع بعض المسؤولين الروس، الذين قالوا إنهم يحقدون على هيلاري كلينتون. وأخبر بانون وولف أن الاجتماع كان "غادراً". ولكن، بناء على ما حدث فعلاً في ذلك الاجتماع، فقد لا يكون بانون مبالغا. (فقد شارك ترامب في اجتماع على متن طائرة "إير فورس ون"، عندما عاد من رحلته الرئاسية الثانية في الخارج، لصياغة بيان لتغطية على ما حدث في اجتماع برج ترامب).
وتمت الإشارة إلى أن ترامب غاضب من وصف بانون لابنة الرئيس المدللة إيفانكا بأنها "غبية". كما ذكر وولف أن إيفانكا وزوجها، المستشار الكبير في البيت الأبيض جاريد كوشنر، قد اتفقا على أن إيفانكا، بعد نجاحهما المذهل غير المتوقع في البيت الأبيض، سترشح نفسها للرئاسة.
وادعى ترامب بأن بانون لم يكن له علاقة بفوزه الانتخابي، وأنهما تقريباً لم يتحدثا مع بعضهما البعض. وكما هو متعود، هدد ترامب بمقاضاة بانون. ولدى ترامب سجل حافل من الدعاوى القضائية التي هدد بها خصومه دون تقديمها للعدالة، ولكن حتى التهديد يمكن أن يكون مكلفاً.
ومع ذلك، لا يجب أن يحجب القلق المؤقت الحقائق الأخرى بسبب الخلاف حول حملة ترامب. فوراء هذه الدراما، لدى ترامب أهداف واضحة ومحددة، تتقاسمها معه الحكومة ورؤساء الوكالات -والذين لا يؤثر فيهم نشر تقرير مغر حول سلوك الرئيس.
بينما كان الكثيرون في واشنطن وهيئة الصحفيين يناقشون آخر ما تم الكشف عنه، فإن وزارة العدل، التي يفترض أن تكون مستقلة إلى حد ما عن البيت الأبيض، تحولت إلى أداة حزبية لمتابعة ضغائن الرئيس. وفي الواقع، تم الكشف في الأسبوع الماضي عن أن وزارة العدل أعادت فتح تحقيق في المسألة التي سبق التحقيق فيها بدقة حول رسائل البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون. كما تم الكشف عن محاولة فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، تحريات حول مؤسسة كلينتون.
يذكرنا استخدام وكالة حكومية لمعاقبة الخصم السابق للرئيس بالسلوك الذي اتهم به ريتشارد نيكسون، وينم عن اقتراح شكل مختلف جداً من الحكم الديمقراطي.

*محررة مساهمة في "نيو ريبابليك"، من آخر أعمالها "جورنال واشنطن: تغطية ووترغيب وسقوط نيكسون".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق