شايلوك هذا الزمان

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2018. 01:05 صباحاً

لقد أعاد الجدل الذي حصل مؤخرا حول قيام احدى شركات الأدوية الأميركية المغمورة برفع سعر أحد الأدوية التي تستعمل لعلاج سرطان الدماغ بنسبة 1400 % ليصل ثمن حبة الدواء الواحدة الى 700 دولار رغم أن هذا الدواء يستعمل منذ سنوات عديدة، موضوع أسعار الأدوية الى الواجهة.
هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها حوادث عدة من اشهرها ما قامت به شركة أميركية أخرى قبل سنوات عندما قامت بشراء حق إنتاج أحد الأدوية المهمة والمستخدمة في علاج مرض نقص المناعة المكتسبة، ومن ثم قامت برفع سعره عدة أضعاف، ما تسبب في ردة فعل عنيفة من قبل الرأي العام.
لم أجد تجسيدا ابلغ لشخصية المرابي "شايلوك" في المسرحية الشيكسبيرية الشهيرة تاجر البندقية من احتكار بعض شركات الأدوية وتحكمها بالاسعار، واختطافها آلام الناس، فما الفرق بين ان يجد المريض نفسه عاجزا عن دفع ثمن حبة الدواء وان تقتطع جزءا من جسده.
لقد أصبحت كلفة الأدوية تشكل العبء الأكبر في كلفة علاج الكثير من الأمراض وخاصة المزمنة منها مثل السرطان حيث تستحوذ فاتورة الأدوية على أكثر من نصف كلفة العلاج، وأصبحت الهوة بين الفقراء والأغنياء في ازدياد نتيجة عجز الفقراء ودولهم عن توفير الدواء لهم.
يكمن السبب الرئيسي في ارتفاع كلفة هذه الأدوية في غياب المنافسة، حيث يعتقد أن هنالك اتفاقا ضمنيا بين الشركات الكبرى على عدم المنافسة كي تستطيع الحفاظ على اسعارها الفلكية كما توفر لها قوانين حماية الملكية الفكرية وحقوق براءة الاختراع الظالمة طمأنينة ضد المنافسين، متمترسين خلف أساطير تمّ كشف زيفها مثل الكلفة العالية للأبحاث، واستخدام الفائض في اكتشاف أدوية جديدة أكثر فاعلية.
أسعار الأدوية في تصاعد وكلفة العلاج فاقت كل التقديرات، وما لم تتضافر الجهود الدولية في مواجهتها سنجد أنفسنا قريبا عاجزين عن علاج الكثير من الأمراض، وأسرى لدى "شايلوك العصر" فالدول الصغيرة لا تملك بين ايديها اوراقا للضغط على شركات الادوية بحكم ضعف تأثيرها في حركة السوق العالمية وتبقى اوراق اللعب جميعها بين ايدي الدول الكبرى ذات القوة الشرائية الكبيرة فهي التي تضبط ايقاع السوق وترسم حدود الملعب، لكن التحالف غير المقدس بين رجال السياسة والاعمال ما يزال يجهض اي تحرك من قبل الرأي العام للجم جنون الاسعار.
لقد جُسِّدت شخصية المرابي "شايلوك" في الوجدان العالمي في كل من يستغل حاجة الناس، للوصول للإثراء غير المشروع. ولا اظن ان هنالك جشعا اكبر من ذلك الذي نشهده الان في حرمان الناس من حقهم في العلاج. لا شك ان الابتكارات المهمة التي شهدها قطاع الادوية في السنوات الاخيرة قد غيرت وجه الكثير من الامراض، لكن ذلك لا يمنع من اطلاق صرخة لتصحيح مسار هذا القطاع على قاعدة "لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انحسار الثروات (خليل زقلام)

    السبت 13 كانون الثاني / يناير 2018.
    هذا النظام العالمي الجديد المتوحش يبدو انه يسير باتجاه شرائع الغاب. الانسانيه لا تمثل لهذا النظام المتوحش اي معنى البحث عن الثروات وانحسارها في هذا العالم لا اعتقد الا ان من صاغ هذا المنظومه هم من نسل شايلوك والعالم اذا تمرد على هذه الفئه القليله سلم. العالم بحاجه الى ربيع عالمي ضد مثل هؤلاء ..