نتائج خطيرة تؤثر بسلوك الأطفال

الإدمان على ألعاب الفيديو يصنف كمرض

تم نشره في الأحد 14 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

منى أبوحمور

عمان- للمرة الأولى، تدرج منظمة الصحة العالمية الاضطراب العقلي المترتب على إدمان ألعاب الفيديو الإلكترونية، ضمن قوائم الأمراض المعترف بها صحيا، والتي يتوجب رصدها، ويُنصح أن تكون لها عيادات وأطباء ووصفات علاجية. 
جاء ذلك خلال تقرير نشرته مؤخرا عبر موقعها الرسمي، اعتبرت خلاله الإدمان على ألعاب الفيديو مرضا، بحسب ما أعلن متحدث باسمها في جنيف؛ حيث تستند هذه القائمة إلى خلاصات خبراء صحة في كل العالم.
وذكرت مجلة “فوربس” الأميركية، أن قائمة الأمراض المعترف بها دوليا لم تشهد أي تغيير منذ العام 1991، إلا أن منظمة الصحة العالمية قامت بإعداد مشروع نسخة جديدة للقائمة للعام الحالي.
وشخصت المنظمة هذا المرض، بأنه نمط سلوك مستمر أو مكرر لألعاب الفيديو أو الألعاب الرقمية، سواء كان عبر الإنترنت أو غير متصل بالشبكة العنكبوتية، يتسم لدى من يعاني منه بضعف السيطرة على النفس وعدم القدرة على التوقف عن ممارسة ذلك لساعات طويلة وبكثافة عالية.
وبدوره، يبين أخصائي علم النفس التربوي، الدكتور موسى مطارنة، أن الإدمان على التكنولوجيا بشكل عام سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو ألعاب الفيديو، يشكل سلوكا سلبيا وإدمانا له نتائج وتأثيرات نفسية واجتماعية.
ويشير إلى أن إدمان الأطفال والمراهقين على ما سبق، يعد سببا في نتاج مشكلة سلوكية نفسية واضطراب طيفي للتوحد.
وينوه مطارنة إلى أثر إدمان ألعاب الفيديو وغيرها ليس فقط على الأطفال، وإنما يتسبب أيضا في تدني مفهوم الذات لدى المراهقين وعدم تكيف اجتماعي وانعكاسات سلبية على تفاعلهم اﻻجتماعي، يصل الى حد مرض قصامي.
ويتفق مطارنة مع ما أشارت إليه منظمة الصحة العالمية في تقريرها، لافتا إلى العديد من المشاكل الصحية والاجتماعية الأخرى التي يتسبب بها إدمان الأطفال والمراهقين على هذه الألعاب، مشددا على ضرورة التعامل مع هذه المشكلات قبل أن تجعل من المدمنين ضحايا لعدم الرعاية الأسرية الصحيحة.
ويتفق معه الطبيب النفسي الدكتور زهير الدباس، الذي يرى أن الإدمان على هذه الألعاب استطاع أن يعزل الطفل عن محيطه وتفاعله عاطفيا مع الأهل أو تعلمه سلوكا صحيحا ولغة سليمة.
ويبين الدباس، أن إدمان الأطفال على التواصل العصبي يفرز مواد تعطي شعورا بالغبطة والمكافأة، وكلما أصبح الشعور أقوى جعل إدمان الأطفال على هذه الألعاب أكثر، لافتا إلى أنه وبالرغم من إيجابية شعور الحصول على المكافأة والتحفيز، إلا أن الاعتماد على هذه الألعاب للحصول عليه يزيد من إدمان الأطفال عليها، وبالتالي يتسبب بالكثير من المشاكل الصحية والفسية.
ويجد الدباس، أن مضي الأطفال والمراهقين ساعات طويلة على هذه الألعاب يتسبب في عدم تواصلهم مع عائلتهم، وتدني تحصيلهم الدراسي، مشيرا إلى أن الإدمان قد يبدأ بشيء ولكن يتفرع لأشياء أخرى؛ إذ قد تكون هناك اضطرابات سلوكية أخرى تنشأ عن هذا الإدمان، مبينا أن عصبية الأهل تجاه هذا الشيء وعدم تقبلهم وقدرتهم على وضع ضوابط له، تؤدي إلى توتر العلاقة بينهم وبين أبنائهم وبالتالي يزيد من تعلقهم في هذه الألعاب.
وعرفت منظمة الصحة العالمية هذا الاضطراب بأنه “سلوك مرتبط بألعاب الفيديو، سواء عبر الإنترنت أم لا، يتّصف بفقدان السيطرة وإيلاء اللعب أهمية متزايدة مقارنة مع الأنشطة الأخرى، بحيث تصبح في مركز الاهتمام”. ومن الأعراض الأخرى “مواصلة اللعب وزيادة الوقت المخصص له رغم ظهور تبعات سلبية”.
ويقول خبراء منظمة الصحة العالمية “إن تشخيص الإصابة بهذا الاضطراب يشترط أن يكون الشخص مدمنا بشكل غير عادي على ألعاب الفيديو لمدة عام على الأقل”، وفقا للمتحدث الذي أشار إلى أنه من المبكر تقدير حجم هذه المشكلة.
ورغم عدم وجود إحصاءات كافية، يُجمع خبراء الصحة على أن هذه الظاهرة باتت مشكلة، وأن إدراجها في قائمة الأمراض يعد خطوة جيدة.
التربوية رولا خلف، بدورها، تبين سبب إطلاق مصطلح الإدمان على ممارسة هذه الألعاب لفترات طويلة، لاستمرارهم في اللعب مع عدم قدرتهم على الاستغناء عنه بأي لحظة فيتعلقون به.
الإدمان على الألعاب الإلكترونية وألعاب الفيديو، بحسب خلف، يتسبب بعوارض سلوكية تظهر عليهم، مثل عدم القدرة على النوم لساعات كافية بسبب عدم تنظيم الوقت فيكون اللعب لساعات طويلة على حساب صحتهم ووقتهم.
وينتج عن إمضاء وقت طويل باللعب، بحسب خلف، توتر وانفعالات قوية، وعدم القدرة على التركيز بأي نشاط ذهني وجسدي، فضلا عن تغير في نظام الأكل والساعة البيولوجية، الأمر الذي ينعكس بشكل كبير ومباشر على صحته نتيجة نقص الأكل والفيتامينات الناتج عن عدم تناول وجبات طعام متوازنة وفي موعدها وهو مرض بحد ذاته.
وتصنيف منظمة الصحة العالمية، الإدمان على ألعاب الفيديو، بالمرض، لم يأتِ عبثا، خصوصا بعد ظهور العديد من الأمراض الناتجة عن قلة النوم والأكل وعنف الأطفال وعدوانيتهم.
ومن جهة أخرى، يؤثر الإدمان بشكل كبير، وفق خلف، على تواصلهم مع أهلهم وانعدام الحوار بين أفراد العائلة، فضلا عن العنف في الكلام وعدم تحملهم لأفراد العائلة وعدم قبولهم لأي شخص يقاطعهم أثناء اللعب، كما أنه من الممكن أن يؤذي أي أحد من أفراد العائلة في حال شتت انتباهه عن اللعب بطريقة مؤذية.
وهو ما أكده فلاديمير بوزنيا، عضو إدارة الصحة العقلية لمنظمة الصحة العالمية، قائلا “إن الأخصائيين يحتاجون إلى الاعتراف بأن اضطراب الألعاب له عواقب وخيمة مثل الإدمان على شرب الكحول”.
وأوضح “أن الكثيرين من ممارسي الألعاب الرقمية ليسوا كمدمني الكحول، لكن الإفراط في ذلك ولمدة 12 شهرا مثلا، يمكن أن يحدث اضطرابات وآثارا سلبية تحتاج إلى عيادات وأطباء وعلاجات”.
وتقول خلف “إن الطفل واع عقليا بأنه يلعب للتسلية فقط، ولكن عندما يشغل فراغه بهذه الألعاب وتصبح هي شغله الشاغل طوال اليوم، يخلق ذلك توترا بين أفراد العائلة، وبالتالي قد يدفع الأب إلى تعنيف أبنائه أو حرمانه منها”.
وتلفت إلى أن حرمان الطفل من هذه الألعاب بعد إدمانه عليها تصرف في غاية الخطورة، ويخلق طفلا عنيفا ومستعدا لأن يكسر أو يعمل أي شيء للحصول على اللعبة ويمكن أن يخرج من البيت أو يضر أحد أفراد العائلة.
ولا تكمن الخطورة فقط بآثار الإدمان الصحية والنفسية، وإنما أيضا تمتد لجرائم إلكترونية من خلال اللعب عبر الانترنت مع أشخاص مجهولي الهوية قد تتجاوز أعمارهم الستين، الأمر الذي يعد أكثر خطورة من الإدمان نفسه، وفق خلف.
“مشاكل صحية انفعالية عاطفية كلها موجودة، وهو ما يجعل الإدمان عليها مرضا”، حسب خلف، التي تشير إلى ضرورة التعامل مع هذه الحالات بتعديل السلوك وليس الحرمان أو العقاب وإنما التخفيف من ساعات لعبهم تدريجيا وعمل جدول وتعاقد بين الأهل والطفل على ساعات معينة ومكافأته في حال خفف من اللعب، وإشغال أوقات فراغه بأمور أخرى مسلية غير الألعاب الإلكترونية ولكن هذا الحل لن يتم بأقل من ستة شهور، والصبر مطلوب من الأهل.
وتلفت خلف، إلى ضرورة البحث عن ألعاب مسلية ويقضون فيها وقتا لملء أوقات فراغهم مثل ألعاب التفكير، الليغو والبازل، فضلا عن معاهد الرسم والموسيقى التي تملأ أوقاتهم إيجابية.

التعليق