علاء الدين أبو زينة

ليس الخبزُ وحدَه..!

تم نشره في الأحد 14 كانون الثاني / يناير 2018. 01:08 صباحاً

افتتحَ الأردنيون العام الجديد بالأخبار عن رفع أسعار الخبز. وكان الخبزُ دائماً هو "الملاذ الأخير" لحل مشكلة الاقتصاد المحلية المستعصية، على أساس رمزيته التي تعني المساس بأكثر سبل الحياة أساسية للإنسان. والتبرير، كما قال مسؤولون حكوميون، هو "تقويم سلوك المواطن" المبذر، الذي يرمي الخبز في الحاويات. وقال المسؤولون إن الناس يشترون أكثر من حاجتهم من الخبز ولا يقدّرون قيمته، ولذلك ترفع الحكومة سعره لتعليم الناس تقدير قيمة الأشياء!
يعرف الناس أن رفع سعر الخبز سيعني عدم رفع سعره وحده. فسوف ترتفع معه أسعار كل أنواع السندويتشات، من الفلافل إلى الشاورما، وكذلك كل شيء يُخبز ويُصنَّع من الطحين. وربما ترتفع أسعار الوجبات في المطاعم التي يُقدم معها الخبز، وسترتفع كلفة الوجبات المنزلية كلها برفع سعر الخبز.
مع الخبز أيضاً، سترتفع أسعار طائفة من السلع الغذائية الأخرى التي كانت تُعتبر أساسية، ولم تعد أساسية بالتعريف الجديد. وباختصار، سوف تضاف كُلف أخرى على كلفة الحياة اليومية المحلقة في الأساس، بما فيها الجبن والزيتون والبطاطا، وكل ما كان يُعتبر ذات يوم قريباً في متناول البسطاء، ناهيك عن كلف الصحة والتعليم والكهرباء والهواء.
المحيّر في الرفع المتسارع لكلفة الحياة على المواطن، أنه يبرر باعتباره دواءً للاقتصاد المعتل، بحيث سيلمس المواطن انعكاساً لما يدفعه على ما يُقدم إليه من خدمات ومن تخفيف للأعباء. لكنَّ ما يلمسه فعلاً هو المزيد من الاعتلال الذي يصيب مفاصل حياته وأجهزتها الحيوية جزءاً جزءاً. وقد أصبح الأمر مثل الفيروسات الشتائية التي تنتشر في الجو، ولا تميّز بين كوخ الفقير وشقة متوسط الحال، ولا بُدّ أن تصل العدوى ولو أصبحت كلفة العلاج أعلى.
صحيح أنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". إنه يحتاج أيضاً إلى الحب، واحترام الذات، والإنجاز والأمل والمستقبل المفتوح، والسلام والأمن. لكن الإحساس بكل هذه الأشياء يبهتُ عندما يصبح جلبُ الخبز اليومي -مجرد جلب الخبز- همَّاً وشاغلاً أكبر من أن يترك مساحة للاسترخاء وتأمل القيَم العليا. وعندما يرتفع ثمن الخبز نفسه، ويصبحُ تحصيله أصعب، فإن المستقبل يصبح أضيق.
في الحقيقة، بحسابات الورق أو بالحسابات العُلوية، لا يمكن أن يعوض شيء عن رفع سعر الخبز أخيراً –ولو أنه ليس الشيء الذي يُفرق عملياً مع ارتفاع كل شيء. لا شيء يعوِّض إذا كان الفَردُ هو المتهم النهائي بتخريب الاقتصاد وإيذاء نفسه لأن بعض الخبز يجفّ عنده ويعلقه في كيس على جانب الحاوية. ولا شيء يعوِّض الإحساس بالمساس بآخر ما كان مضموناً ومدعوماً من حاجاته، وكأنه تُرك لتدبر أموره وحده بلا ضمان ولا دعم.
سوف تقول الحكومة، في مواجهة تاريخ من إساءة إدارة الاقتصاد، وقلة الموارد، والمحيط المتوتر الذي لا يساعد: "قولوا لي، ماذا أستطيع أن أفعل"؟ وسوف يردُّ المواطن المحاصر بكل ذلك، وأكثر، من التوتر الذي يدور في هواء العالم والمنطقة إلى مطالب الحياة اليومية منه: "وأنا، قولوا لي ماذا أفعل ومن أين"؟! وسوف يتردد السؤال فيما يبدو، مثل حوار طرشان طويل من جملتين، لوقت طويل قادم.

التعليق