هل تستطيع سياسات الحركات تجديد الديمقراطية الأوروبية؟

تم نشره في الاثنين 15 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين أنصاره – (أرشيفية)

جان-فيرنر مولر*

رنستون- توقع العديد من الناس أن تكون القصة السياسية لسنة 2017 هي انتصار الشعوبية في أوروبا. لكن الأمور لم تسر على هذا النحو. وعوضاً عن ذلك، كانت القصة الكبرى تتعلق بالحركات الذاتية التي حلت محل الأحزاب السياسية التقليدية.
من الأمثلة على تلك الحركات حركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "الجمهورية إلى الأمام" التي اكتسحت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الفرنسية في الربيع الماضي، بالإضافة إلى تمكن سباستيان كورز، البالغ من العمر 31 عاماً، من أن يصبح مستشاراً للنمسا بعد أن قام بإعادة تشكيل حزب الشعب النمساوي المحافظ ليصبح حركة تدعى "قائمة سباستيان كورز -"حزب الشعب الجديد".
هناك المزيد من الناخبين في طول القارة الأوروبية وعرضها ممن أصبحوا ينظرون إلى الأحزاب السياسية التقليدية كأحزاب تهتم فقط بمصالحها الشخصية، وباعتبارها متعطشة للسلطة. وفي العالم النامي كذلك، هناك أحزاب عريقة، مثل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، والتي بات ينظر إليها على نطاق واسع كأحزاب فاسدة. وفي كثير من الحالات، أصبحت الأحزاب التقليدية أشبه بما يطلق عليه خبراء العلوم السياسية "كارتيلات" أو عصابات؛ حيث تستخدم تلك الأحزاب موارد الدولة للبقاء في السلطة. وبغض النظر عن خلافاتها المتعلقة بالسياسات، فهي عادة ما تعمل معاً لمواجهة التحديات.
ويظهر الناخبون الشباب على وجه الخصوص اهتماماً أقل في العمل لصالح الأحزاب التقليدية، التي ينظرون إليها على أنها بيروقراطية بشكل يزيد على الحد، مما يعني أنها تبعث على الملل. ويذكرنا ذلك بسخرية أوسكار وايلد الشهيرة عن مشكلة الاشتراكية؛ حيث قال إنها تأخذ وقت الكثير من الأمسيات. ولذلك لم يكن من المفاجئ أن تكون التجارب السياسية الأكثر ابتكاراً في أوروبا في السنوات الأخيرة قد نشأت من احتجاجات الشوارع والتجمعات الضخمة التي تجنبت النماذج التراتبية من التنظيم.
على سبيل المثال، تشكلت حركة بوديموس اليسارية في إسبانيا بعد مظاهرات ضخمة نظمتها الحركة المضادة للتقشف في إسبانيا في 2011. وفي إيطاليا هناك حركة "النجم الخامس" الشعبوية التي حلت في المقدمة في الانتخابات البرلمانية الإيطالية في 2013، ومن المتوقع أن تبلي بلاءً حسناً مرة أخرى في 2018، والتي نشأت من التجمعات الضخمة التي نظمها الكوميدي بيبي جريلو ضد "لا كاستا"، وهو مصطلح مهين استخدمه بيبي لما يراه الطبقة الحاكمة من السياسيين والصحفيين المحترفين في إيطاليا.
لكن هناك شيئاً مضحكاً حدث في الفترة بين نشأة تلك الحركات كاحتجاجات شعبية شاملة وعفوية، وبين نجاحاتها لاحقاً في صناديق الاقتراع. ومن المفارقة رؤية أنه بينما استمرت تلك الحركات في تطبيق نماذج أفقية من التنظيم والديمقراطية التشاركية، فإن قادة تلك الحركات الذين يتمتعون بالكاريزما عملوا على تركيز المزيد من السلطات في أيديهم.
على سبيل المثال، تعرض أمين عام بوديموس، بابلو إيجليسياس، لانتقادات النشطاء المثاليين في الحركة لقيادته الزائدة على الحد وتبنيه اللينينية على الإنترنت. ورداً على تلك الانتقادات، أعلن إيجليسياس: "لا يستطيع المرء اقتحام الجنة بتوافق الآراء".
ومن جهته، لا يتمتع جريلو بوضع رسمي في حركة "النجم الخامس" التي تصنف نفسها على أنها "ليست اتحاداً"، ولكنه يمتلك مدونة كان لها دور حاسم في نجاح الحركة، بالإضافة الى حقوق الملكية بالنسبة لرمزها الرسمي. وقد أبطل جريلو حق أعضاء حركة النجم الخامس في استخدام الرمز، في ما يفترض أنه خرق للقواعد -أو ما يطلق عليه رسميا "غير القانوني" -فيما يتعلق "بحزبه المضاد". كما يتوجب على كل شخص يرشح نفسه للمناصب العامة تحت مظلة حركة النجم الخامس توقيع عقد يعد فيه بدفع غرامات إذا انتهك مبادئ الحزب.
بطبيعة الحال، ليست الحركات السياسية شعبوية في طبيعتها بالضرورة. وكما أظهرت الحركات المناصرة للبيئة وحقوق المرأة، فإنه يمكن لحركة ما التصدي للنماذج السياسية التقليدية من دون الادعاء بأنها تمثل "الناس الحقيقيين" أو "الأغلبية الصامتة".
لكن الحركات السياسية الحالية عادة ما تكون أقل تعددية من الأحزاب الكبيرة التي هيمنت على السياسة الأوروبية بعد الحرب. ويبدو ذلك منطقياً بالنظر إلى أن "الحركه" لا توحي فقط بالدينامية، وإنما أيضاً بوجود افتراض بأن جميع الأعضاء متوافقون تماماً فيما يتعلق بالطريق إلى الأمام.
المشكلة هي أنه عندما نفترض أن الجميع متفقون بالفعل على توجههم، فإنه لا يبدو أن هناك حاجة لمناقشات ديمقراطية مكثفة. وهكذا، فإن الحركات التي نشأت في أوروبا في السنوات الأخيرة -سواء كانت على اليسار أو اليمين– ركزت على تقوية قادتها عوضاً عن تمكين الأعضاء العاديين، حتى بينما تؤكد الديمقراطية التشاركية.
في حالة ماكرون وكورز، استفاد كل من هذين القائدين من حس الدينامية والهدف اللذين تعتبران من الخصائص الرئيسية للحركات السياسية التي تركز على قضية واحدة. فقد قام كورز بتطويع حزب الشعب النمساوي ليتناسب مع رغباته. فإلى جانب منح تلك الحركة اسماً جديداً، فإنه قام كذلك بإعادة تنظيم هياكلها الداخلية وبتغيير لونها الرسمي من اللون الأسود إلى اللون الفيروزي، على الرغم من عدم تغيير التوجه المحافظ للحزب، مما يوحي بأن تحركات كورز كانت تتعلق بالتسويق وتأكيد سلطته الشخصيه أكثر من أي شيء آخر.
وفي النهاية، فإن حركة بوديموس، وحركة الجمهورية إلى الأمام، وحركة الزخم، وهي الحركة الشبابية التي ساعدت جيرمي كوربين على إعادة تشكيل توجه حزب العمال البريطاني، ليست مهمة فقط لأنها حركات بحد ذاتها، ولكنها مهمة لأنها تعطي خيارات سياسية أكثر للمواطنين، وخاصة أولئك المحبطين من الاحتكارات السائدة -أنظمة سياسية يهمين عليها حزبان عريقان يقدمان المفاهيم السياسية نفسها تقريباً.
بالنسبة لكوربين، قد تعيد السياسات المتعلقة بالحركات ترسيخ الخصائص التقدمية لحزب العمال وتغيير ما كان ينظر إليه الكثيرون على أنه تبنّ للسياسات الليبرالية الجديدة تحت حكم رئيس الوزراء السابق توني بلير. ولكن، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الحركات وحدها ستجعل السياسة الأوروبية أكثر ديمقراطية. وفي واقع الأمر، فإن تلك الحركات قد تنشط بطريقة أقل ديمقراطية من الأحزاب التقليدية، بسبب نماذج قيادة تلك الحركات التي تعكس وبقوة توجه الرأي العام.

*أستاذ السياسة في جامعة برينستون. آخر كتبه "ما الشعبوية؟"
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق