د.باسم الطويسي

خطط طوارئ قطاعية

تم نشره في الاثنين 15 كانون الثاني / يناير 2018. 01:07 صباحاً

حتى لا يتكرر الفشل في تحريك عجلة الاقتصاد كما تعكسه أرقام النمو وأرقام البطالة والاستثمار ثمة حاجة ماسة للتجريب في الانتقال إلى منظور جديد لا يتناقض مع خطة التحفيز التي من المفترض أن نبدأ بملاحظة نتائجها قريبا، المنظور المكمل يتطلب خطط طوارئ قطاعية قصيرة ومتوسطة، وحينما نقول قصيرة نعني هذا العام بمعنى تحديد أربعة أو خمسة قطاعات قادرة على تحريك الاقتصاد، ووضع أهداف لتحقيق معدلات نمو مضاعفة عن المعدلات التي سادت في السنوات الأخيرة.
إن خطط الطوارئ القطاعية تعني تصعيد النمو في قطاعات محددة من خلال تركيز جهد استثنائي على هذه القطاعات، وجعلها قطاعات قائدة في الاقتصاد، أي الكتلة الحرجة التي يمكنها تشكيل القاطرة التي تحرك النمو في القطاعات الأخرى؛ لا خلاف أن قطاعات مثل السياحة والمعلوماتية والطاقة وصناعات الدوائية والخدمات الصحية والصناعات الاستخراجية التقليدية (الفوسفات والبوتاس)، إنها قطاعات رائدة في الاقتصاد الأردني؛ وجميع هذه القطاعات التي كنا نتحدث قبل عقد أنها ستشكل مستقبل الأردن تعاني اليوم من مشاكل وتحديات ومخاطر وبعضها  تراجع خلال السنوات الأخيرة بشكل صادم.
هناك حاجة إلى إعادة بناء فرضيات الاختراق الاقتصادي في هذه القطاعات وفق منظور مختلف لتحليل التحديات والفرص؛  فعلى سبيل المثال كيف يمكن أن نبني فرضيات جديدة لتطوير صناعة السياحة من منظور سياحة النخب والفئات المترفة إلى فرضية جديدة تقوم على سياحة الطبقة الوسطى، ما يتطلب إعادة قراءة مشهد التحولات السكانية العالمية والنظر إلى المجتمعات التي شهدت تحولات كبيرة لصالح اتساع الطبقة الوسطى في آخر عقدين مثل الهند والصين والبرازيل وغيرها، وعادة ما تكون الطبقة الوسطى طامحة وأكثر طلبا على السياحة ورغبة في البحث عن التجديد، وكما هو الحال الذي يتطلب تحرير القيود على بعض الجنسيات المقيدة، ما يستدعي إرادة سياسية واضحة في التدرج في استيعاب السياحة الدينية الإيرانية وغيرها.
في هذا الوقت يحتاج قطاع الصناعات الدوائية والسياحة العلاجية منظورا جديدا يقوم على فرضيات مختلفة قادرة على قراءة معمقة للطلب الإقليمي والدولي على الخدمات الصحية والتخلص من التشويه الذي علق بالخدمات العلاجية الأردنية في السنوات الخمس الأخيرة، ففي الوقت الذي ينعم فيه المجتمع الأردني بأعلى نسبة أطباء اختصاص مقارنة مع عدد السكان في الإقليم لا يوجد لدينا إلى اليوم أطباء في معالجات الإدمان، ولم يقدم القطاع الخاص للاستثمار في هذه الخدمة في الوقت الذي تعصف فيه المخدرات في مجتمعات المنطقة، وزادت بصورة صادمة في السنوات الأخيرة، وكان من المفترض أن يتحول الأردن إلى موئل لهذه الخدمات.
كم نحتاج اليوم إلى الخيال الجماعي المبدع في خلق اختراقات اقتصادية نوعية؛ بالطبع الخيال السياسي الجماعي لا يقصد به الخيال السياسي الفردي الذي طالما مارسه الأفراد في الأنظمة الشمولية، ولا الإفراط في التشريق والتغريب في الأوهام والضلالات بدون أساس علمي أو منطقي، نتحدث كثيرا عن تجاوز الأزمات والبحث عن حلول مبتكرة وغير تقليدية، وهناك إنشاء إعلامي لا يتوقف حول "التفكير خارج الصندوق" ولكن بدون جدوى، وسيبقى ذلك بدون جدوى إذا لم تتوفر رؤية علمية مصحوبة بخيال مبدع وبإرادة سياسية لإحداث الاختراق المطلوب.

التعليق