أزمة أخلاق.. ونعيب زماننا

تم نشره في الثلاثاء 16 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

كوكب حناحنة

أحيانا كثيرة يحتاج الواحد منا الى وقفة مطولة مع الذات تنتهي بحالة رضا عامة لا تحمل أي إسقاطات منهجتها الظروف على رؤوسنا.
وقفة نستعيد معها ألق ما علق بالذاكرة من مفاهيم وسلوكيات مفرحة نشحن بها همما أرهقتها الحياة بمسؤوليات روتينية قاسية ومملة وقعها بطيء ورتابتها تقهر النفوس وأخلاقياتها باتت "سكر خفيف".
نجلد الذات في اليوم مرات ونسب الزمان ألف مرة، نعض نواجدنا ندما على لحظة صادقة تبددت عفويتها ونحن نئن تذمرا من ظروف الحياة غير الحانية المؤلمة الموجعة المارقة بكل حيثياتها وقيمها.
نحلم بلحظة بكر لم تقترب منها تصاريف الدهر التي تعكر حتى صفو الحالمين الذين لم يعيشون واقعهم قط ولم يلتفتوا الى ما فاتهم مأخوذين بسحر ما سيكون ويعيشون على يقين اللحظات السعيدة المقبلة.
ترهقنا الحياة بكل تفاصيلها وتسحبنا الى براثن مكرها نحاول جاهدين التغيير، لكن لا خلاص بعد اليوم من دنيا كل أمر فيها محكوم باستفهام وسؤال لا نجد له حتى حروفا أبجدية لكلمة جواب.
نصيغ الأسئلة تلو الأسئلة نفتش بالعيون قبل النفوس عن إجابات محورها البساطة والطيبة ونفقد بوصلة البحث تلك ونخرج بنتيجة وحيدة أن الحياة تلوثت عندما غادرتنا مفردات الهيبة والحضور ورزانة العقل والتسامح والتفاني والإخلاص وفقد معجم الأخلاق في التعامل وترك لنا الغلاف لنلوك ماديات هي سبب كل عناء نحن فيه وسبب مصائب الدهر من غير الأقدار والموت.
لا أحد يسمع النداء الفطري في دنيا لم تعد تنجب أبناء حقيقيين فيعود صدى نداء الباحثين عن جوهر الكلمة وعمقها محملا بعبارات مفادها أن الإنسانية تعيش أزمة أخلاق وحالتها خطرة ولم تعد تحت السيطرة.
مفاهيمنا تبدلت وقيمنا سطت عليها الحداثة وأخلاقنا محكومة بمنهجية مجموعة صغيرة نسبح في فلك دائرتهم وسلوكياتنا وليدة ردة الفعل الغاضبة غالبا وتسامحنا فوضى حواس فقدت دليلها وارتهنت للمصلحة وبات هو ذلك الشعور المرتجع عند الحاجة.
أحزاننا فيها موضة نركبها لنقنع الآخرين بأنه ما يزال لدينا نبض وقلب يخفق بالمشاعر، وفرحنا بات استعراضا نعلن خلاله أننا نملك دنانير نشري بها مزيدا من السعادة، بكاؤنا فيه رياء ومعنى محض للانتهازية والاصطياد في مياه عكرة حتى التعاطف بات استثمار موقف للوصول الى المراد، أما الحب فتنسج حوله الكثير من الاستفهامات أجوبتها مرهونة بعقلية من نحب ووجهة مصلحته لا درجة حرارة مشاعره.
حتى ثيابنا التي تبوح بجزء من كينونتنا ضاعت مفاتيحها في التقليد الأعمى وباتت ظلا لإسقاطات أمم لا تشبهنا، لكننا نتقبلها بأريحية على أنها صرعات جديدة جاهل من لا يركب موجتها.
قاموسنا الأخلاقي بالمجمل اليوم حذفت من صفحاته عبارات كثيرة هي اكسير قيمنا وتقاليدنا التي صاغها الأهل والأجداد بحرفية إنسانية وباتت الآن في غرفة الإنعاش لذنوب اقترفتها وتقترفها الأجيال، ما جعل منها مسخا لا نقوى على تفسير مضامينه.
آه يا وجع الحياة الممتد من لحظة الولادة وحتى مغادرة عتبة الدنيا فلا راحة لمهجة قلب أو عقل أو روح أو جسد إلا هناك؛ حيث لا أناس تشاركهم اللحظات ولا مواقف تربك الموازين ويكال لها بمكيالين، ولا حزن أيضا بعد ذلك على أزمة أخلاق؛ حيث لا عيوب دنيوية في تلك الدار نلفظها بوجه الزمان ونعيبه على فعلته، فشبح العيب هو الراسخ فينا، ولا عيب لزماننا سوانا.

التعليق