التركة التي تحصر الخيارات

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • د. خالد واصف الوزني

د. خالد واصف الوزني

لم يتخيل أحد حتى أكبر المدافعين عن ما سُمي بسياسات الإصلاح الاقتصادي على مدى السنوات التي سبقت الحكومة الحالية أن تنتهي تلك السياسات إلى ما وصلنا اليه من تركة ثقيلة ليس فقط على كاهل الحكومة الحالية بل وعلى الشعب بأجياله الحالية والقادمة.
ولعل من الصعب علينا أن نفهم أن برنامجا "للإصلاح الاقتصادي" – كما تم تسميته والتغني به- ينتهي به المطاف بتراجع كافة المؤشرات الكلية التي يعتمد عليها الاقتصاد.
فهل يُعقل بعد أن تقوم بإصلاح بيتك وتتحمل تكاليف باهظة لذلك أن ينتهي بك المطاف إلى منزل "يدلف" من كل زاوية فيه؟!! هل من المعقول بعد ان نتجرع مرارة الدواء على مدى ما يزيد من سنوات ثلاث بدعوى أن النتيجة ستكون الشفاء التام من كل التشوهات والاستمتاع بنعيم دائم وحياة أفضل لنا وللاجيال القادمة، أن ينتهي بنا المطاف بمديونية أكبر، وبطالة غير مسبوقة حتى بالأرقام الرسمية، ونمو اضعف من أن يحافظ على مستويات الدخل السابقة، وتضخم ركودي، وتراجع حتى في مستويات مساهمة المرأة في الاقتصاد، وبطالة بين الشباب تعتبر الأكبر بين دول العالم؟!!! كل هذه هي تركة ورثتها الحكومة الحالية وزاد الطين بِلة ما تم التصريح عنه بوجود إنفاق خارج الموازنة يتجاوز 1.3 مليار دينار، في مخالفة دستورية واضحة تناقض كل مفاهيم الشفافية والحاكمية الرشيدة.
في ظل ما تقدم يصعب على أي محلل اقتصادي أو ناقد رشيد أن يقف ضد توجهات الحكومة الحالية بمحاولة معالجة ما امكن علاجه من تشوهات لم تترك أمام أحد من خيارات كثيرة. فلا أدري ماذا سيفعل أي ناقد أو محلل في التعامل مع هذه الظروف إن كان في قمرة القيادة واراد اخراج البلاد من إتون أزمة خانقة يصعب فيها المناورة أو القيادة بإمان دون الاصطدام بحواجز ومطبات كبيرة.
وبعيدا عن محاسبة المتسببين بتلك التركة فإن المطلوب النزوع إلى الرشد ومحاولة المساعدة في التغلب على أعباء تلك التركة الثقيلة. وباعتقادي أن على الحكومة الحالية أن تعلم بأنه ليس من المطلوب حل كل تلك المعضلات في عام واحد، كما أن التدرج في الحلول قد يضيف أعباء جديدة ولكنه يساعد على التخفيف من حدة تحمل المواطن العادي لإعباء ليس له دخل بتحققها بهذا الشكل السافر.
ومن ناحية ثانية، فإن الاهتمام بتحصيل الإيرادات وضبط النفقات لا يقل ابدا عن الاهتمام بتنشيط الاقتصاد والبدء باتخاذ إجراءات تساعد القطاع الخاص على العمل بشكل أفضل، وهنا يتحتم أولا تسوية حقوق القطاع الخاص ودفع مستحقاته، وتدبيرها بطرق تقليدية أو غير تقليدية لغايات العودة للعمل بالشكل المطلوب بدلا من الاستمرار في عدم تسوية مستحقاته المالية وبالتالي دفعه إلى الاغلاق أو التعثر، وثانيا لا بد من استمرار الحكومة على نهجها في الانفتاح على القطاع الخاص وتشجيعه على التوسع في استثماراته أو الدخول في استثمارات جديدة.
ومن ناحية ثالثة فقد بات من الضروري البدء بمشاريع كبرى للشراكة مع القطاع الخاص بدءا بمشاريع النقل بين الزرقاء وعمان، وانتهاء بمشاريع الطاقة المتجددة والمشاريع العقارية الخاصة بقطاع السياحة في العقبة والبحر الميت وغيرها من المناطق مما سيساعد في حقن الاقتصاد بمبالغ كبيرة من داخل وخارج الدولة من جهة وسيؤدي من جهة أخرى إلى تشغيل العديد من القطاعات وتوليد العديد من فرص العمل.
وختاما لا بد من العودة للقول أن التركة كبيرة والعبء ثقيل على الحكومة والشعب في آن واحد ولعل المطلوب هو ان نصل إلى حلول تدريجية تشاركية تساعد على البدء بتصويب التشوهات الكبرى التي ورثناها وتساعد ايضا على إيجاد وظائف للشباب وتفتح آفاق لإنعاش الاقتصاد، فتنشيط جانب العرض وتنشيط دور القطاع الخاص في البلاد لا يقل عن أهمية رفع الدعم وتصويب تشوهات الدعم عبر ايصاله إلى مستحقيه، كان الله في عون الحكومة على ما ورثت وكان الله في عون الشعب على الصبر والتحمل والأمل أن تجترح الحكومة حلولا تساعد على تخفيف العبء عليها وعلى الشعب على حد سواء، وهو أمل قابل للتحقيق.

التعليق