بقوتها وإيمانها بنفسها انتصرت على غياب النظر والإصابة بالسرطان

داليا صبري: من خطأ طبي في الخداج لدكتوراة بالموسيقى

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
  • الكتورة داليا صبري- (من المصدر)
  • داليا صبري وهي طفلة

رشا سلامة

عمان - لو قُدّر لحكاية الأكاديمية داليا صبري أن تكون ضمن عمل سينمائي، فلربما يعترض الناقد على فرط المفارقات التي حفلت بها؛ إذ بعد رحلة مضنية مع اعتلال الشبكية وفقدان البصر شبه الكامل؛ بسبب نقص الأوكسجين لدقائق أثناء وجودها في الخداج، بدأت رحلتها الثانية مع سرطان العقد الليمفاوية، بعد أن ظنّت أنها وصلت ذروة الحلم بحصولها على شهادة الدكتوراة.
ولعلّ التخصّص الذي اختارته صبري لا ينفصل عن تلك المفارقات؛ إذ دَرَسَت العلوم الموسيقية في كلية الفنون في الجامعة الأردنية، لتكون الأولى على دفعتها، في البكالوريوس، في العام 2007، وتنال منحتيّ الماجستير والدكتوراة تباعاً، في جامعة الكسليك الروح القدس في لبنان، لتعود للجامعة الأردنية عضواً في كادر التدريس في العام 2015.
تقول "كانت لديّ حساسية مفرطة للصوت منذ الصغر؛ كتعويض عن اعتلال الحاسة البصرية. كنت أتوق لإحداث أي أصوات حتى لو كانت باستخدام الملاعق وأواني المطبخ. وكان شغفي في الآلات الموسيقية منذ كنت أمسكها كألعاب".
تخصّصت صبري، المولودة في العام 1985، في العزف على آلة العود، كما نالت شهادة الماجستير، في العام 2010، برسالة حملت عنوان "أسلوب الشريف محيي الدين حيدر في العزف والتأليف على آلة العود"، لتكون الدكتوراة، في العام 2015، حول إمكانية استعمال مقطوعات عازفي العود المعاصرين، المُنجَزة بين الأعوام 1987 و2012، في العملية التعليمية.
تجزم حسين أن ما مرّت به من اعتلال في النظر كان "نعمة وليس نقمة"؛ إذ "يمنحك الله قدرات خاصة نظير كل شيء يحرمك إياه".
لم تكن الدرب ميسرة، لدى صبري، بالشكل الذي قد يخاله السامع؛ إذ واجهت عقبات في الجامعة الأردنية، منذ قرّرت دراسة هذا التخصص. تقول "وجّه لي أحد أساتذتي سؤالاً: الموسيقى صعبة على اللي بشوفوا كيف اللي نظرهم ضعيف؟"، كما واجهت صعوبات أخرى، على حد تعبيرها؛ نظراً لعدم الإيمان بأهليتها لهذه المنح الدراسية؛ لكونها أنثى، في المقام الأول، ولأنها مصابة باعتلال في عينيها أيضاً.
تقول "قديماً. حين كنت طفلة، كنت أستمع لكثير من التهكّم والسخرية في المدرسة، من قبيل يا إم أربع عيون ويا عمياء ويا حولة. حين كبرت، بات الانتقاص مني بطرق أكثر خبثاً، لكني تغلبت على هذا كله".
اختيار العود لم يكن عبثياً لدى صبري؛ إذ تشعر بحميمية لافتة حين تحتضنه. تقول "منذ اهتديت لآلة العود وشخصيتي تبلورت وباتت لي هويتي التي أريد"، مستدركة إن عائلتها لم تكن راغبة بهذه الآلة، رغم تشجيعهم المستمر لها منذ الطفولة؛ نظراً لكونهم يرون العود حكراً على العازفين دون العازفات.
تكمل "منذ صغري، لم يتقاعس أي من أفراد عائلتي عن دعمي وتشجيعي. ألحقوني في مدارس ليست بالضرورة للمكفوفين، لكنهم بذلوا أقصى ما لديهم ودعموا رغبتي حين سافرت لإكمال دراستي، ولاحقاً كانوا معي في رحلتي المضنية مع السرطان".
تقول صبري إن ورماً بدأ في عنقها، لم تعره اهتماماً في البدء. كانت المفارقة أنها حصلت على التشخيص الذي يفيد بإصابتها بالسرطان، حين تسلّمت مهامها كعضو هيئة تدريس في الجامعة الأردنية، كما أنها تلقّت أولى جلسات العلاج الإشعاعي، حين ارتدت "روب" حفل التخريج الخاص بأعضاء الهيئة التدريسية، للمرة الأولى.
تغلّبت صبري على ذلك كله، لتعكف على مشروع جديد يحمل عنوان "تجمّع لؤلؤ لدعم ذوي الإعاقة البصرية"، الذي تضمّ فيه مجموعة موسيقية من ذوي الاعتلالات البصرية والمكفوفين وداعميهم؛ ليقدّموا مقطوعاتهم عبر منابر عدة.
تقول "لو كنت توقفت لدى المفارقات المؤلمة التي صادفتني منذ مولدي، لكنت استسلمت منذ أمد طويل"، موضحة "لم أصدق مثلاً أني سأدخل مركز الحسين للسرطان كمريضة، بعد أن كنت أذهب لأعزف فيه؛ للترويح عن الأطفال. كانت والدتي تقول لي على سبيل المداعبة: المستشفى يطلّ على كليّتك. ماذا لو قفزتِ حتى تلحقي بالمحاضرة الآن؟ وهكذا، تغلبت على كل شيء بالدعابة والابتسامة والصبر".
لم تؤثر الأمراض على رسالة صبري الموسيقية كما الأكاديمية؛ إذ بقيت تزاول عملها باقتدار. تقول "كنت أفرغ من جلسات الكيماوي وآتي لأعطي طلبتي المحاضرات المطلوبة. تجاوزت كل شيء حتى الجزء الأصعب وهو تساقط الشعر. وها أنذا انتصرت".
تدين صبري لعائلتها ولجامعتها "الأم"، وإن كانت ترى أن التعويل الأساسي كان عليها هي تحديداً؛ "إذ لولا الإصرار والمحاولات المتكررة وملاحقة الشغف الموسيقي لما وصلت لما أنا عليه الآن من درجة علمية وانتصار على امتحانين غاية في الصعوبة: غياب النظر والإصابة بالسرطان".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لك من البصر والبصيرة غالبية على مليون مبصر (Nora)

    الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2018.
    كلما بحثت ونظرت في اي من ال "سوسيال ميديا" وقع نظري على مقال او مقابلة او خبر أسعدني
    تكوني صديقتي في هذا الخبر.
    كم انت رائعة وقوية وجميلة
    كم افتخر بكوننا اصدقاء
    لا بل بكونك تحتوي صداقتي حتى الان
    فانا من المحظوظين