رنا الصبّاغ

رجال الدولة يكسرون حاجز الصمت

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2018. 01:04 صباحاً

أواخر الصيف الماضي أبدى الملك عبدالله الثاني استغرابه من غياب صوت المسؤولين السابقين للدفاع عن الأردن لحظة اندلاع أزمة وسط وهن حكومي وبرلماني متناسل وشبه غياب فاعل للإعلام والأحزاب وسائر المجتمع المدني.
أطلق الملك ملاحظته خلال لقائه مع صحفيين من بينهم كتاب رأي، نقلوا عنه قوله إن جميع المسؤولين من صنع الدولة الأردنية وليس العكس، ويجب عليهم الوقوف بجانب الوطن لدى وقوع أي مشكلة كبيرة كانت أم صغيرة.
تزامن العتب الملكي مع تداعيات جريمة مزدوجة اقترفها دبلوماسي إسرائيلي في حرم سفارة بلاده في عمان، كما أعقب جهود الملك عبدلله الثاني الشخصية لإزالة كاميرات مراقبة وضعتها إسرائيل على مداخل المسجد الأقصى المبارك ما أجّج موجه عارمة من السخط في أوساط العالمين العربي والإسلامي. وصدر أيضا في ذلك الوقت حكم بالسجن المؤبد بحق الجندي معارك أبو تايه، عقب إدانته بقتل ثلاثة أميركيين وجرح رابع أواخر 2015. ماكنة الإعلام الرسمي وسائر أذرع الحكومة وقفت عاجزة آنذاك عن الدفاع عن موقف الدولة أمام سيل الانتقادات من كل حدب وصوب.   
الرسالة الملكية تلك التقطها رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري مباشرة بعد أن فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قنبلة الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل سافرا عن تغيّر مقلق في مواقف حلفاء المملكة التقليديين؛ وسط انهيار آخر ما تبقّى من منظومة جامعة الدول العربية.
على الفور، دعا المصري نظراءه للقاء في مكتبه. وبعد يومين من المداولات المتقطّعة حول كيفية الرد على زلزلة ترامب وانعدام فرص خيار حل الدولتين، وقّع 12 رئيس وزراء على رسالة أعلنوا فيها وقوفهم مع القيادة في خطواتها العملية ضد القرار، وطالبوا بإعادة النظر في سياستنا وتحالفاتنا وعلاقاتنا الخارجية، وتنويع التحالفات، بخاصة أن الأردن يواجه حالياً شحّا في المعونات الخليجية، تصلبّا في موقف بنيامين نتنياهو وأزمات مالية واقتصادية خانقة.
الرسالة وصلت رئيس الديوان د. فايز الطراونة، الذي سلّمها للملك ووعدهم خيرا، بحسب حديث المصري إلى كاتبة المقال. ويصرّ المصري – الذي اختار الاستقالة العام 1991 - أنه لم يستشر أيا من المسؤولين قبل دعوة أقرانه للاجتماع، الذي لم تنشر تفاصيله حتى الآن. أول المتشجعين كان عبد الرؤوف الروابدة، د. عون الخصاونة شارك في كل شاردة وواردة، لكنّه لم يوقع على الرسالة لاحتمالات التضارب مع قرارات سابقة أثناء عضويته في محكمة العدل الدولية في لاهاي. مضر بدران غاب لأسباب صحية. ضيق وقت أحمد عبيدات لم يسمح له بالمشاركة. عبد السلام المجالي، الذي قاد الوفد الأردني-الفلسطيني المشترك مع إسرائيل العام 1991، فوّض المصري بالتوقيع عنه موافقا على كل ما جاء بالرسالة بسبب انشغاله بوفاة قريب. لم يدع لطاولة النقاش الطراونة و د. هاني الملقي كونهما على رأس عمليهما الرسمي.
الرسالة الموقعة لم تنشر بعد. لكنها المرّة الأولى التي يظهر فيها 12 رئيس وزراء -يمثلوّن طيفا واسعا- اتفاقا على أمر حيوي ومهم. ثلث الموقعين على الرسالة شكّلوا حكوماتهم في عهد المملكة الثالثة (1999-1953) والباقي خلال العهد الرابع.
لكن مقابل الإجماع حيال القضايا السياسية وبناء الاستراتيجيات الملحة، من المستبعد نجاح دعوة مشابهة لتقييم الوضع الاقتصادي المأزوم والإصلاحات السياسية. ذلك أن بعض رؤساء الحكومات يبحثون عن "السترة" لأنهم أسهموا في إجهاض مشاريع تطوير الحياة السياسية أو كانوا وراء ترحيل علاجات الأزمة الاقتصادية والمالية إلى أن انفجرت اليوم في وجه جميع الأردنيين. آخر إجراءات التقشف وتحميل الشعب نتائج فشل الحكومات كان رفع الدعم عن الخبز وتوسيع ضريبة المبيعات لتشمل غالبية السلع الاستهلاكية مع رفع تعرفتي الماء والكهرباء.
في رسالتهم المشتركة، انتقد رؤساء الحكومات "ظلم القرار الأميركي"، الذي ينزع صفة "الوسيط النزيه" عن دور واشنطن في عملية السلام ويخالف القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الخاصة بقضايا المنطقة، والتي أسهمت أميركا يوما ما في إقرارها. أجمعوا أن القرار يضرّ أيضا بالأمن الوطني الأردني ويمثّل دعوة صارخة لإشاعة العنف والتطرف، وفق تلخيص المصري. كما يشكّل تحديا صارخا للأمة العربية والإسلامية، وكذلك وصاية الهاشميين على الأماكن المقدسة، التي عزّزتها  معاهدة وادي عربة مع إسرائيل العام 1994. إذ احترمت المعاهدة وصاية الأردن على المقدسات لحين انتهاء مفاوضات الوضع النهائي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وخلص رؤساء الحكومات الى أن موقف ترامب سيفضي بالنتيجة الى وقف عملية السلام، ما يفرض على الأردن إعادة النظر بالعلاقات مع إسرائيل بشكل يضمن حقوق المملكة ويمنع تحديها لدور عمّان والإفتئات عليه بصفته الداعي الأبرز للسلام والأمن الدولي والإقليمي. ورأوا في مقامرة ترامب أيضا تحديّا للتعاون الاستراتيجي الأردني-الأميركي ومحاولة "لابتزاز دور الاردن"، فيما يتصل بالقضية الفلسطينية. وبالتالي يستدعي هذا الأمر "وضع هذه العلاقات على قاعدة من الحوار الجاد لإعادة الحق إلى نصابه بالإضافة الى إعادة النظر بالتحالفات التي تقيمها عمان" في المنطقة وسائر العالم، ما يحفظ حقوق الأردن الوطنية ويحمي مطالب فلسطين.
ذيّلت رسالة رجال الدولة إلى الملك بتواقيعهم، بحسب الأقدمية: زيد الرفاعي، المصري، د. عبد السلام المجالي، عبد الكريم الكباريتي، عبد الرؤوف الروابده، علي أبو الراغب، د. عدنان بدران، فيصل الفايز، سمير الرفاعي، د. معروف البخيت، نادر الذهبي ود. عبدالله النسور.
بالطبع يدرك معظم الموقعين، حال غالبية الشعب، تعقيدات الوضع السياسي الذي يجد الأردن نفسه فيه وسط التجريف الذي شتّت طبقة الكريما السياسية. ولا تستطيع المملكة إلغاء معاهدة السلام، رغم ارتفاع الأصوات المنادية بذلك بين الأردنيين. 
يقول المصري إن بإمكان عمان السير نحو استدارة "رمزية" صوب تركيا وإيران والنظام السوري وروسيا وتبديل بعض التكتيكات. فالجميع يدرك استحالة اصطدام الأردن بذات المطب الذي اختاره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عندما رفض الوساطة الأميركية في عملية السلام وبات يبحث عن مخارج تصعيدية لحماية استقلالية القرار الوطني الفلسطيي. فهو اليوم مكبّل بظروف سياسية واقتصادية شديدة التعقيد ولا يستطيع التحرك لأن القوى العربية والإقليمية أدارت ظهرها له. 
من شأن حراك الرؤساء - بعضهم من المحسوبين على خط التحالفات التاريخية مع واشنطن- أن يعزّز موقف الملك عندما يلتقي بنائب الرئيس الأميركي مايك بنس الأحد المقبل، ضمن جولته في المنطقة. بات واضحا اليوم أن مضامين رسالة الرؤساء لن تطبّق بالكامل. فالأردن لم يسع أبدا للقطيعة مع واشنطن حتى في ذروة التصعيد الدبلوماسي والسياسي ضد قرار ترامب، وظلّ يعمل داخل أروقة القرار الأميركي وخارجه لاحتواء التداعيات والحد من إمكانية توظيف قرار ترامب لفرض حقائق جديدة في الضفة الغربية وتحديدا في القدس، بحسب ساسة ودبلوماسيين. فإدارة الظهر لواشنطن تشبه الانتحار السياسي والمالي في ظل ميزان القوى الحالي وغياب موقف عربي متماسك، ما سيمنح نتنياهو هديّة على طبق من ذهب لاستمرار تهويد الضفة ما يهدّد الأردن وفلسطين. كما تبقى واشنطن الشريك الاستراتيجي الأمني والعسكري والاقتصادي الأول للأردن بعد نضوب المساعدات الخليجية. وهي ستواصل تقديم دعمها المالي السنوي بذات الوتيرة للسنوات الأربع القادمة.
يصحو الأردن اليوم من صفعة ترامب الموجعة وتهديداته بقطع المساعدات عن الدول التي تحدّت قراره حيال القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أن توجس من احتمالات وقوعه في مرمى "الأضرار الجانبية" الناجمة عن تقاطع أجندات ترامب وصهره جارد كوشنر مع دول عربية مهدت الطريق لواشنطن ترامب أمام قصقصة أجنحة إيران كأولوية لضمان الأمن والسلام الإقليمي والعالمي بدلا من حل الصراع العربي – الإسرائيلي.
وقد ينجح الملك في التأثير على موقف بنس خلال لقائهما مطلع الأسبوع المقبل، فهو يبقى من أقرب المقربين لترامب بعد صهره مؤلف "صفقة القرن" بالتعاون مع حلفاء عرب جدد.
لننتظرْ ونرَ. في الأثناء يستحق رجال الدولة الشكر لأنهم تحركوا ولو بطريقة رمزية.

التعليق