محمد أبو رمان

"احنا قاعدين"!

تم نشره في الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2018. 01:09 صباحاً

يخبرني صديق (على علاقة مع العديد من المستثمرين ورجال الأعمال) أنّ بعضهم بدأ يتأنى ويعيد التفكير في مشروعات استثمارية وشيكة، يؤجّلها، والسبب كما يقولون: حتى نرى إلى أين ستسير الأمور، في ظل الظروف الإقليمية غير المطمئنة، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الداخلية؟!
الجواب على سؤالهم هو "احنا قاعدين"، ولن يحدث مكروه ولا أذىً لهذه الدولة، ومررنا بمنعرجات أخطر بكثير، ذات طابع وجودي، في حقبٍ سابقة، وخرج الأردن سالماً قويّاً منها، خسرنا نصف البلاد في الـ67، وأغلب معدات الجيش العربي الأردني، وبعدها بأشهر قليلة خضنا معركة الكرامة وانتصرنا فيها على الجيش الذي هزم الجيوش العربية الثلاثة.
وبعدها بعامين فقط انتصر الأردن في معركة حماية الدولة وسيادة القانون، بعدما كانت القراءات الأميركية والإسرائيلية (كما يثبت آفي شلايم في كتابه التاريخي "أسد الأردن") ترجّح سقوط الدولة والنظام، وبعدها محطات مفصلية مثل الـ89، ثم حرب الخليج، وأخيراً الثورات الشعبية العربية 2011، والحراك الداخلي، وغيرها من محطات، كانت العواصف شديدة، لكن ربّان السفينة كان ماهراً واجتاز كل ذلك بنجاح.
التحديات الراهنة – بالرغم من خطورتها وقوتها- إلاّ أنّها لا تعادل خطورة ما سبق أن مررنا فيه، والحديث اليوم عن "الاعتماد على النفس"، بمثابة تحدٍّ جديد لسياستنا ومستقبلنا، بعدما وجدنا أنفسنا وحيدين من غير داعمين حقيقيين في لحظة تاريخية مهمة، لكنّنا – وعلى غير المعتاد- لا نواجه اليوم سؤال البقاء والعبور، لأنّ هذه الدولة الصغيرة، محدودة الموارد، أصبحت راسخة وقوية وصلبة.
لم تعد نظريات "الكيان المؤقت"، أو "القاطع العازل" أو "الدور الوظيفي" صالحة للاستعمال، وليس وجودنا واستقرارنا مرتبطا اليوم بإسرائيل أو أميركا أو أي دولة أخرى – كما كان يروّج شطر من الإعلام العربي (وللآسف ما زالت هذه النظرية قائمة لدى مسؤولين وسياسيين أردنيين)، فالأردن اليوم – وكذلك الحال بالأمس، لكنّه برهن على ذلك عمليا- قائمٌ بذاته، بمعادلته الداخلية ووصفته السحرية الذاتية، وليس بفعل ظروف خارجية أو قوى داعمة، إقليمياً ودولياً.
ذلك لا يعني – وهنا بيت القصيد- الاسترخاء و"النوم في العسل"، فبالرغم من كل ما ذُكر فإنّنا اليوم في اختبار حاسم وتاريخي وحيوي، وربما هذا ما فشلت الماكينة السياسية والإعلامية الحكومية بشرحه وتوضيحه للرأي العام الأردني، بخاصة ونحن نتحدث عن موازنة صعبة جداً، وضغوط مالية كبيرة نتعرّض لها في العام القادم.
التحدي الحقيقي يكمن في تجاوز الظروف المالية القاسية، والالتزام ببرنامج صندوق النقد الدولي، والحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، من دون مساعدات مالية مباشرة، ما يعني الاعتماد أكثر على الذات، بالرغم من الظروف الإقليمية القاسية التي حجّمت قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة هذه الصعوبات.
جوهر الامتحان الأردني اليوم هو أن ننهض ونصمد، ونعتمد على أنفسنا، ونثبت أنّنا بالرغم من كل هذه الظروف الإقليمية، والداخلية، قادرون على الوقوف أمام إدارة أميركية منحازة تماماً لإسرائيل، وملف القدس الرمزي والاستراتيجي الخطير، وأزمة متراكمة مع الكيان الإسرائيلي، وانكشاف استراتيجي عربي خطير.
هنالك ثمن سياسي واقتصادي للمواقف الأردنية، هذا الأمر من المفترض أن يدركه الشارع تماماً. لكن - في المقابل- ما على الحكومة إدراكه هو أنّ سرّنا في معادلتنا الداخلية، ومن الضروري أن يكون الاعتماد على الذات برنامجاً حقيقياً متكاملاً، وليس فقط فرض رسوم وضرائب، ورفع دعم، من دون إشراك الرأي العام والمواطنين في تحمّل المسؤولية والقرارات.
بالعودة إلى كل المنعطفات السابقة، فإنّ التناغم بين القيادة والشارع، والمعادلة الداخلية هي كلمة السرّ الأردنية، وما نراه اليوم من فجوة مرعبة بين الحكومات والشارع هو ما يجب أن يثير قلقنا أكثر من أي شيء آخر!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احنا قاعدين؟ (يوسف صافي)

    الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2018.
    ان جاز لنا التعليق د. محمد وبعد الإستهلال بالسؤال المشروع هل القياس على ما نحن يكفي طالما اصبحت الساحه الإقتصاديه مفتوحه وابوابها مشرعّه ومقوننه وفق مخرجات اللبرله الإقتصاديه ؟؟ وان كانت العلاقات الإقتصاديه الدوليه هذا ديدنها ؟؟؟ دعني اخالفك عنونة مقالك "هل نحن قاعدين او واقفين ؟؟؟ (وهذا لايعني اخلاء مسؤلية حسن الإداء والحنكه في الإستفاده مما نحن عليه ومحاربة الفساد) الساحة الإقتصاديه العالميه اشبه بحلبة صراع دون تحديد الأوزان (عدم عدالة التوزيع انتاجا وإستهلاكا) لامناص للفقير منها إلا ان يتعربش على اقدام الهوامير (اباطرة المال والإنتاج) ودون ذلك يداس تحت قدميها؟؟؟ والأشد خطوره سياسة المصالح بأبشع صورها (من ليس معنا فهو ضدنا) ؟؟؟ الإقتصاد والسياسه تراكمات سلوكيه ليس من السهل محوها بجرّة قلم ؟؟؟ والقديم لايبقى على قديمه حتى بتنا من ضعفنا نعيش والمثل "no news good news"؟؟؟؟ امّا في البعد الإقتصادي بما يخص الإستثمارات الخارجيه من الصعب توطينها (وهذه طبيعة راس المال يخدم راس المال تقودها منظومه دون تنظير) ولقد وضعها مستر ترامب على قاعده غير مستقرّه عندما اعلن انكفاء اللبراليه بكل مخرجاتها "اقتصاد وسياسه وإجتماع" تحت ذريعة امريكا اولا ولاعشاء مجاني في البيت الأبيض سواء بتغريب الراسمال الأمريكي والتكنولجيا واو استقبال الأموال المهاجره ؟ في بلد يشكل اكبر قوة سياسيه واقتصاديه في العالم (لوبي المال والنفط والسلاح)؟؟؟