صحيح البخاري ومُسند الربيع بن حبيب: نحن والمخالف

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد عيسى الشريفين

وفق رؤية السادة علماء طائفة أهل السنة والجماعة فإن: "صحيح الإمام البخاري" هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وفي المقابل ووفق رؤية السادة علماء الطائفة الإباضية -وهو المذهب المنتشر في سلطنة عُمان الشقيقة، وأجزاء محدودة من المغرب العربي- يوجد مصدر بنفس القيمة بالنسبة لهم وهو: "مسند الإمام الربيع بن حبيب" ؛ حيث يعتبر عندهم أصح كتاب بعد كتاب الله، وكلا المصدرين (أي الصحيح والمسند) قصدا جمع أحاديث منتخبة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق اجتهاد كل منهما، فجزاهما الله خيرا. ينضاف إلى ذلك أن علماء أهل السنة لهم أقوال ثلاثة في أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى وهي: الموطأ لمالك بن أنس، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مسمى الطائفتين: أهل السنة والجماعة، والإباضية لم يكن موجودا حتى انتهاء المرحلة الأولى من صدر الإسلام.
يسمح علماء السنة لأنفسهم تقييم المخالف وتمحيصه علميا دون أدنى تحرج وتقابل دراساتهم بالقبول والترحاب، مثال ذلك "مسند الربيع بن حبيب"، فقد درسه أكثر من عالم من علماء أهل السنة، ومن أشهر هذه الدراسات وأكثرها شيوعا واستشهادا مقالة علمية منشورة بعنوان: "مسند الربيع بن حبيب الإباضي-دراسة نقدية-"، للدكتور سعد آل حميد، أحد أبرز الرموز السُنّية العلمية في العالم الإسلامي، وكانت النتيجة الأولى والأهم لهذا البحث: أنه لا يوجد لمسند الربيع بن حبيب أصل خطيّ يوثق به.انتهى. "معنى أصل خطيّ يُوثق به: نسخة كاملة كتبها المصنف بيده، أو نسخة كاملة كتبها أحد تلاميذه، أو ما قارب ذلك". وبناء على هذه النتيجة وغيرها فقد أسقط المسند، مع ملاحظة أنني لست هنا في معرض تقييم الدراسة سلبا أو إيجابا.
مناسبة هذا الحديث أنني تابعت حوارا داخل مجموعة "جمعية الحديث الشريف وإحياء التراث" "الواتسأبية"، -وأنا انتسب لهذه الجمعية ويشرفني ذلك وأنتفع بمشاركات أعضائها - حول بعض القضايا المتعلقة بصحيح الإمام البخاري، ثم طرح أحد الأساتذة سؤالا مضمونه: "أين اختفت نسخة البخاري التي كتبها بخط يده؟" وهذا السؤال شبيه إلى حد كبير بسؤال: "أين اختفت النسخة الخطية لمسند الربيع؟"
فثارت ثائرة البعض حول هذا السؤال، وساق أحد الأساتذة وكَردٍ على الشبهة؛ مقالا نشره شريف محمد جابر، على مدونة الجزيرة بعنوان: أين اختفتْ نسخة صحيح البخاري الأصلية؟ وكانت نتيجة المقال: "أن هذا السؤال ساذج، وهي شبهة متهافتة لا يقول بها إلا من تميّز بالسطحية والضحالة والجهل بالتراث الإسلامي.... -ثم طرح الحل لمثل هؤلاء-فمثل هذا يحتاج أولا إلى محو أمّية في الحديث ومصنّفاته وعلومه، بل إلى إعادة دراسة أدوات البحث العلمي والتفكير المنطقي قبل أن يردد مثل هذا الكلام المخجِل.
تأسيسا على ما سبق أسجل الملاحظات التالية – مع التنويه أنه سينحصر حديثي على موقف النخبة الدينية عند أهل السنة والجماعة بشكل عام:
الملاحظة الأولى: ازدواجية المعايير.
حيث يلاحظ: أننا نقرأ الآخر (المخالف) وفق معاييرنا لا وفق معاييره؛ وأقصد بمعاييرنا: أفهامنا وأفهام الآخر عنه، مصادرنا ومصادر الآخر عنه، وأقصد بمعايير الآخر: أفهامه ومصادره. وهنا أُذكِر بمضمون مقولة للإمام الغزالي: إذا أردت أن تحاور أهل ملة أو نحلة فتعلم علمهم ككبارهم ثم حاورهم فنحن وعلى سبيل المثال: نبيح لأنفسنا أن نسأل الآخر عن أصوله الخطية، وهو سؤال مشروع، لكننا لا نبيح للآخر أن يسأل عن أصولنا الخطية.
الملاحظة الثانية: النزعة التمجيدية "الشوفينية الروحانية".
 عندما نتحدث عن علمائنا أو مصادرنا أو أصولنا؛ فإنه يغلب على حديثنا التعصب والعنجهية وفقدان الرزانة العقلية، والذي يصل في بعض حالاته إلى الأسطرة. أودُ هنا التنبيه على أن: تقدير وتوقير العلماء المخالفين والموافقين، واجب حتمي ومطلب ديني وأخلاقي، أما التقديس فلا يقبل بحال إلا لكتاب الله -كنص لا كتفسير- والثابت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم-طبعا عند من يرى أنه ثابت، أما من لا يرى ثبوته فلا قداسة، وأمره إلى الله تعالى.
 من مظاهر هذه النزعة التمجيدية:
أن صاحبها ينحو منحى التبرير والترقيع للهفوات والأخطاء، والتعظيم للحسنات، إلى درجة أنه يوصله إلى مرتبةٍ أعلى من مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكره أكثر من ذكره للنبي صلى الله عليه وسلم.
رفض نقد أو مخالفة أي من أفكار أو آراء هذا العالِم، فأفكار هذا العالم فوق الشبهات.
الجمود العلمي، وذلك تحت عنوان: "نضج واحترق"، وتعني: أن الأفكار التي توَّصل إليها هذا العالم أو غيره أخذت حقها ومستحقها من البحث العلمي، وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى أي نوع من أنواع البحث.
 اذا ما عدنا لعلمائنا -علماء اهل السنة وغيرهم من علماء الطوائف الأخرى-نجد انهم رفضوا هذه النزعة التمجيدية لأنفسهم، وقد كان التواضع سمة لهم وسمتا، وأنهم ظُلموا من أتباعهم، والأقوال المنقولة في هذا الميدان كثيرة جدا، على رأسها المقولة المنسوبة للإمام مالك: "كل يؤخذ من كلامه ويرد الا صاحب هذا القبر "محمد صلى الله عليه وسلم".
الملاحظة الثالثة: النزعة التبخيسية.
التبخيس سلوك استفزازي من شأنه إشعال فتيل الكراهية، ومن أشكاله: التبديع والتفسيق، والشيطنة والتكفير، وغمط المخالف وإلصاق كل نقيصة فيه، وجعله سببا لفشل الأمة وخوارها.
لذلك كله نجد أن الحق سبحانه وتعالى حذرنا وبشكل مباشر من هذا السلوك ، قال تعالى "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ".
من مخاطر هذه النزعة:
 1 -تمزيق شمل الامة.
 حيث يشعر المخالف بانعدام قيمته كما أن هذا السلوك يولد الخوف لدى المخالف، مما نتج عنه حالة الفرقة، وقد دعانا الحق سبحانه للوحدة، ونبذ الفرقة؛ قال تعالى: "وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا  كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ".
2 - عدم الانتفاع بالمخالف.
عندما تستخف بالمخالف فإنك بعبارة أخرى تدعو إلى عدم الانتفاع به، وبالرغم من أننا ندعو كمسلمين إلى الانتفاع بعلوم الوثني ونبيح ذلك إلا أن المفارقة أننا لا ننتفع بالمخالف من المسلمين، وبما أننا بصدد الحديث عن الطائفة الإباضية فلا بد من الإشارة إلى التجربة الرائدة للتعايش في سلطنة عمان الشقيقة، فتجد الإباضي والسني والشيعي يصلون في مسجد واحد ويؤم بعضهم بعضا، ويعملون في مكان واحد ويرأس بعضهم بعضا، وهذا النموذج لا يوجد في بلد اسلامي كما يوجد في سلطنة عمان.
 أمر آخر لا بد من ملاحظته وهو انك لا تكاد تجد من شباب الاباضية من انتمى الى القاعدة او داعش أو أي حركة متزمتة، هذه القضايا تستأهل الدراسة والإفادة منها.
 لي شخصيا تجربة مع الأخوة الإباضية منذ أزيد من عشرين عاما كزميل وكمدرس، والحقيقة أنهم غاية في الأدب والتواضع وقبول الآخر المخالف.
ملاحظة: لا يعني كلامي هنا الاتفاق أو الاختلاف مع الاراء التي يتبنونها.
الملاحظة الرابعة: التحريض على الآخر.
تعد ظاهرة التحريض على الآخر المخالف من أخطر الظواهر المرصودة في الخطاب الإسلامي النخبوي -وهذا من العام المخصوص-، وهذه الآفة من الآفات التاريخية الأصيلة في التاريخ الإسلامي، ويكمن خطر هذه الظاهرة في أنها تتعدى الخلاف الفكري إلى الإيذاء وقطع الرزق -عبارة مجازية- والتصفية الجسدية، والمشكل الحقيقي في هذه الظاهرة أنها مستباحة شرعا لدى بعض العلماء تاريخيا، وفي يومنا هذا، وعنوانها: محاربة البدع وأهلها. والبدعة عندهم مخالفة ما درجوا عليه، يهمنا ما يحدث في يومنا هذا من تحريض يتخذ أشكالا متعددة فتارة يستخدم الجمهور، الأتباع وخاصة على مواقع التواصل الإجتماعي أو في خطب الجمعة، وتارة تُستخدم الدولة حيث يتم استدعاؤها، والشكوى اليها: إن فلان يقول كذا وكذا، وقد يتسع ذلك لتحريض المؤسسة ضد هذا المخالف، وقد يأخذ شكل رفع الدعاوى لدى المحاكم. هنا لا بد لي من الإشارة إلى وسائل التواصل الاجتماعي حيث باتت تستخدم هذه الوسائل للتأجيج ضد المخالف بطرائق مبتذلة وذلك لإيذاء وشيطنة المخالف وكل ذلك تحت مسمى نصرة الله او النبي صلى الله عليه وسلم او الدين او المذهب او الحق.
ختاما فإن العلاقة بين البشر والطوائف والأديان تخضع لقانون النسب الأربعة المنطقي: (التباين، التساوي، العموم والخصوص مطلقا، العموم والخصوص من وجه)، ويعني ببساطة: أن هناك قضايا متشابهة بين البشر والطوائف والأديان، وهناك اختلافات، وعليه فلا بد من تعزيز المشتركات وذلك للإفادة منها، والتسامح في غير المتفقات للتخلص من الآثار السلبية الناجمة عنها.
 فيما يخص العمل العلمي النقدي تجاه أي منتج بشري فهو عمل مشروع، ولا يمكن الاستغناء عنه، مع ملاحظة ضرورة رفع القيود عن السؤال في حال عكسه، مثال ذلك: أنه يجوز لك أن تسأل أتباع طائفة معينة سؤالا علميا عن فكرة المهدي عندهم، وفي المقابل يجب عليك أن تسأل نفسك نفس السؤال وبنفس الأدوات، أو أن تسمح للآخر بسؤالك نفس السؤال وبنفس الأدوات وعليك الإجابة بالطرق المعرفية العلمية. ذكرت هذا لأنني لاحظت وجود ظاهرة داخل طائفتنا طائفة أهل السنة والجماعة-كما يطلق عليها المخالف- أنه تتكرر عبارة "ضرورة التسليم وعدم اقحام العقل"، وهذا يطرح في قضايا كثيرة حتى وصل الأمر الى اختلاق مسمى المدرسة العقلية، قدحا لا مدحا، والمفارقة هنا أن أصحاب هذه المدرسة مدرسة "التسليم وعدم اقحام العقل" وعندما يتوجهون للآخر المخالف يطلبون منه استحضار العقل في رده على أسئلتهم.
قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
تنبيه: هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر أكاديمية، ولا يعني ذلك أن غيرها ليس بأكاديمي، وحديثي فيها عن المخالف لا يعني بحال أنني أوافقه على آرائه، كما لا يعني سوقي لآراء علماء طائفتي أنني أخالفهم.

التعليق