الحاجة إلى أجندة وطنية

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2018. 01:07 صباحاً

لا أحد يتجاهل أن البلاد تواجه تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية ينبغي التعاطي معها. ولا أظن أردنيا واحدا لا يرحّب بفكرة الاعتماد على الذات؛ لكن السؤال يتعلق بكيف. الإصلاح لا يتحقق برفع الضرائب والناس لا يتجاوبون مع وصفات سرية ففي مثل هذه الظروف لا بد من تغيير في النهج والأدوات.
 الصناعيون والتجار والمزارعون والمواطنون يشكون من السياسات الحكومية. قبل اسابيع نظمت غرفة الصناعة لقاء للصحفيين تحدثت عن الهموم والمشكلات التي تحتاج الى تدخل حكومي، والمزارعون يشكون من الاستيراد ونقص اجراءات الحماية وندرة الاسواق والتجار تفاجأوا بقرارات الحكومة التسعيرية فارتبكوا في تعديل أسعارهم، وتجار السيارات يقدمون قوائم بالأضرار التي لحقت بهم جراء توالي القرارات وتضاربها، والمواطن الذي أصبح مرعوبا بعد أن أيقن بأن الخبز خط أحمر ليجد أن موجة الرفع قد تجاوزت كل الخطوط.
في كل مرة يثار فيها موضوع الإصلاح أتذكر مشروع الاجندة الوطنية التي انجزت في صيف 2005 وبدت وكأن إعدادها كان هدفا بحد ذاته. خلال ما يزيد على تسعة أشهر انشغل العشرات من الخبراء والاساتذة النخب واصحاب الفكر والاختصاص في ميادين السياسة والادارة والاقتصاد والتعليم والإعلام  في البحث والتقصي والحوار من أجل إعداد خطة نهوض وطني توجه مسيرة البلاد نحو التنمية والتغيير أطلق عليها "الاجندة الوطنية".
المنهج الذي اتبعته الفرق المشاركة في دراسة الواقع وتعريف التحديات وصياغة الأهداف شكل أنموذجا متقدما للعمل الجماعي واسلوبا مبتكرا في توسيع دائرة المشاركة الوطنية في التفكير والبحث والتخطيط بحيث جاءت مساهمة الساسة والاحزاب والاكاديميين والتكنوقراط الذين اعدوا الاوراق البحثية والدراسات وساهموا في النقاش والورش لتغني المحتوى وتوضح الرؤية وتتيح المجال للجميع افرادا ومؤسسات لتكييف السياسات والبرامج المؤسسية مع الخطة العامة للدولة والمجتمع.
بالرغم من مرور اكثر من اثني عشر عاما على انجاز الاجندة والاحتفال باصدار وثيقتها الرئيسة وخطتها التنفيذية إلا انني اجهل الاسباب الحقيقية لتعطيل العمل بها او اعتمادها كإطار للعمل. كنتيجة لهذا التعطيل وغياب خطط شمولية واضحة فقد بقي الاصلاح في كثير من الميادين يراوح مكانه او يدور في حلقات مفرغة. ففي الاصلاح السياسي ما تزال قوانين الانتخاب تتغير قبيل كل مرة تجري فيها الانتخابات فيما تتوالد الاحزاب وسط عزوف جماهيري عن الانخراط في صفوفها او التصويت لها في الانتخابات. وكما في السياسة بقي الاصلاح الاقتصادي شعارا ترفعه الحكومات في بياناتها ومواسم تقديم موازناتها والشعب يشكو من تنامي معدلات الفقر وارتفاع المديونية وتفاقم البطالة وتشوهات سوق العمل. وفيما يخص الادارة العامة التي شكلت عصب الدولة وادواتها في تنفيذ الخطط والبرامج فقد اصبحت تعاني من مشكلات تتجاوز حدود الروتين والترهل وغياب الدافعية وتستدعي تدخلا سريعا لانقاذ هذا القطاع الحيوي المهم. 
المشكلات التي تواجه مجتمعنا متعددة ومتداخلة وتحتاج الى رؤية شمولية واجندة وطنية يشارك في صياغتها الناس ومؤسساتهم وجامعاتهم واحزابهم. فمن الصعب الاستمرار في تحميل الافراد والمواطنين اعباء ونتائج فشل الخطط والسياسات والمشروعات والبرامج التي اعدت ونفذت دون ان يشاركوا في صياغتها او يتعرفوا على اهدافها.
بالرغم من كل العبارات التجميلية التي يتم اضفاؤها على السياسات والمواقف الحكومية يجد الاردنيون صعوبة كبيرة في قبول المبررات التي يقدمها الساسة لاستقبال واستضافة اكثر من مليون لاجئ من قبل بلد يعاني من فقر في المياه وشح في الموارد وتقلص في المعونات ومخاوف من تنامي المديونية وتدني مستوى المعيشة والخدمات. كل ذلك بالتزامن مع تنصل العديد من القوى والدول من مسؤولياتها عن الآثار الكارثية على الضحايا الابرياء.
 اليوم وفي ظل تنامي الازمات، وتغير البيئة الاقليمية، وتقلص شعبية الحكومات، وفقدان الثقة في النواب، وترهل المؤسسات، وتفشي العديد من الظواهر السلبية في المجتمع، وتعدد مصادر الاسئلة المطروحة حول مستقبل المجتمع وكفاءة الاستجابات للأزمات والمخاطر والتحديات، تبرز الحاجة اكثر من اي وقت مضى إلى اصلاحات جذرية تعالج الاختلالات وتضع  تصورا شموليا يحدد الواقع ويضع الاهداف والمسارات ويرسم الخطط للوصول لها ضمن أطر زمنية يجري الالتزام بها.

التعليق