د.أحمد جميل عزم

"بتسأل يا حبيبي؟".. القدرة والأداء

تم نشره في الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2018. 01:04 صباحاً

هو يعتقِد أنّ عفاف راضي (مواليد 1954)، واللبنانية الأصل، فايزة أحمد (1934- 1984)، لا تقلان قدرة صوتية عن عمالقة الفنانين، ولكنهما لا تمتلكان ذات النجاح. ومشكلة "القدرة" و"الأداء"، تؤرِقه دائماً. أغضب أكثر من زميل وزميلة له في العمل، كانوا يفتخرون بتعليمهم الرفيع، وقدراتهم المميزة، ولكنه كان يحتج أنّ هذه القدرات لا تنعكس في الأداء والعمل. وحتى في العلاقات الدولية، هناك تفريق بين قدرات الدول الكمية والنوعية، والقدرة على تحويل ذلك لإنجازات في تحقيق المصالح أو الدفاع عنها.
هذا الشخص عينه غير راض عن قدرته هو على تحويل قدراته إلى أداء.
أُعجبَ كثيراً بأغنية "أجمل طريق في دنيتي" لفايزة أحمد، هي ربما الوحيدة التي يُقبل على سماعها لها.
هو معجب بعبدالحليم حافظ، ولكنه يؤمن بنظرية سلمى الخضراء الجيوسي، المفكرة والكاتبة والشاعرة، وبحديثها عن "الإرهاق الجمالي" فقد ملّ الأغنيات، ولكن إعجابه بعبد الحليم، غير مقتصر على أغنياته، بل على أدائه، المتمثل بقدرته على جمع أكبر وأفضل عازفين، وآلات عزف، حتى أنّ عِدة أجهزة موسيقية حديثة، الكترونية وكهربائية استخدمت لأول مرة في حفلاته. وكان يستدين أحياناً في بداياته ليؤمن أفضل موسيقيين. وكان يجلس مع الشعراء والمختصين ساعات ليتوصل لأفضل طبقة صوت لكل حرف في كلماته أحياناً. وكان يشعر أنّ عبدالحليم يمثل نوعا من تكامل القدرات مع الأداء. ويحلو له، (ولكنه لم يفعل حتى الآن) إخبار طلابه (اكتبوا أبحاثكم كما غنى عبدالحليم أغنياته). أو يشعر أنّ ما قاله خليل هندي، الأكاديمي المرموق، "اكتبوا أبحاثكم كأنكم تعيشون حالة حب"، تنطبق على أداء عبدالحليم، ويريد من طلابه، وقبل ذلك من نفسه، أن يفعلوا ذلك. ولذلك تجده يدقق في تصوير ومشاهد أغنيات أكثر من الأغاني التي أرهقها استماعاً. 
اتضح أنّ "أجمل طريق في دنيتي" أعدت ولحنت لصالح عبدالحليم، قبل وفاته، وأخذتها فايزة، بعدها. ما عزز نظريته عن القدرات والمقومات من جهة والأداء من جهة ثانية، (تحويل المادة الخام إلى أغنية وموسيقى) منظومة كاملة، من الإدارة، والمجتمع، والإحساس، والمثابرة، و..إلخ. 
هو يبحث عن أغنية عفاف، "بتسأل يا حبيبي"، وعفاف أستاذة وأكاديمية تدّرس الموسيقى والغناء، ومثّلت أفلاما باقية، مثل "مولد يا دنيا" الذي ربما حطّم الرقم القياسي في مرات إعادة عرضه في التلفزيون الأردني في الثمانينيات. وجد من علّق على الأغنية، بالقول إنّ هذه الأغنية كانت في شريط هو أول هدية جاءته من فتاة في حياته، "وذهبت الفتاة وبقي الشريط". وآخر، علّق، معلومة (لم أستطع توثيقها)، أنّ أصل الأغنية لحن لعمار الشريعي، المُلحِن لبعض أجمل الألحان العربية، خصوصاً للأفلام والمسلسلات، التي رافقت وجدان وأحلام، جيل كامل، كما رافقت تلك المسلسلات، مثل موسيقى مسلسل رأفت الهجّان، عن البطل الذي "اخترق" الكيان الصهيوني. والشريعي هو الذي أعد موسيقى مسلسل آرابيسك، الذي تدور قصته كلها، حول عدم قدرة بطل القصة، حسن النعماني، (صلاح السعدني) تحويل قدراته الفنية الفلسفية لأداء، بسبب فوضى حياته الشخصية، وروحه وأفكاره المضطربة.
اتضح أن أغنية "بتسأل يا حبيبي؟" (ربما) هي في الأصل موسيقى للشريعي كتبت لها كلمات وغنيت لاحقاً.
لا يستطيع هاني شاكر، ولم تستطيع وردة تقديم شيءٍ يوازي قوة أدائهم في البدايات، والسبب على الأغلب أنّ عملية تحويل القدرة لأداء منظومة مكتملة تخص الأمة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والفرد والقدرة على التجديد.
في حالات أخرى أشخاص وبلدان تجاوزوا أداءهم وقدراتهم. فربما مثلا كان أداء الثورة الفلسطينية في بداياتها أكبر من قدراتها، بعكس الوقت الراهن حيث الأداء أضعف من القدرات. وهناك أبطال تفوقوا على أنفسهم و "صنعوا شيئاً من لا شيء".
يغفل كثيرون أنّ تحويل القدرات لأداء معضلة.
لم تنتشر الأديان والفلسفات إلا بقادة وسياسيين وأحزاب وجيوش ودول نشرتها. لذلك ذهبت بعض الأفكار وأصحابها ولم يلحظها أحد مع أهميتها، لأنّ أحداً لم يحولها لشيء مؤثر. والبعض شتت جهوده في أماكن عدة فلم يحقق شيئا مكتملا، مع أنه بدء بدايات جيدة. (كمن يكتب بدايات رائعة لعشر روايات ولا يكمل واحدة، فلا تنتشر، أو طالب مبدع يدرس ثلاثة تخصصات ولا يكمل أيا منها).

التعليق