كيف صمدت بعض الدكاكين أمام المولات؟

تم نشره في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018. 01:06 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018. 03:06 مـساءً

أحمد أبو خليل

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عندما بوشر ببناء أول متجر كبير يحمل اسماً دولياً في العاصمة عمان، في منطقة الشميساني، ساد على المستوى الشعبي، قدر كبير من الغموض والتساؤل حول المبنى نفسه أولاً، فقد لاحظ الناس أنه لأول مرة يقام بناء كبير له سور عالٍ، ولكنه بلا نوافذ! وبعدد قليل من الأبواب لا يتناسب مع الحجم، بل إن بابه الرئيسي غير مطل على الشارع الكبير الواسع! وقد بلغ الغموض إلى درجة أن أوساطا في الأحزاب السياسية المعارضة وقتها شككت بغايات المبنى!
وعندما أعلنت صفة المبنى، وبعد ان افتتح وتبين أنه متجر كبير، ساد الاعتقاد أنه مكان يرتاده الأثرياء ومخصص لكبار الزبائن. لم تكن تسمية "مول" قد استخدمت في البداية، فهي حديثة حتى في بلد النشوء، أميركا، حيث استخدمت الكلمة هناك على نطاق واسع منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، مع تسجيل حالات استخدام جزئي في منتصف القرن حيث استعيرت الكلمة من سياق آخر، فهي كانت تعني الممر أو طريق المشاة المحاط بالشجر، وبلا سقف أولاً، ثم استخدمت لممرات التسويق المسقوفة. وذلك وفق قاموس المفاهيم (ايتومولوجي).
في الأردن، وبعد الدكان والبقالة والمحل (أو المحلات في حالة تعدد الأبواب)، استخدم منذ سبعينيات القرن الماضي مفهوم "سوبر ماركت"، وقد أطلق على الدكاكين الكبيرة التي تبيع بالمفرّق، وكان التغير الرئيسي يكمن في أن الزبون صار بمقدوره الدخول إلى تفاصيل المحل والتجول بين الرفوف وتناول السلع بنفسه، وساد فرح تسويقي كبير باستخدام كلمة "الخدمة الذاتية"، فلم يعد مطلوبا من الزبون أن يتوقف أمام البائع ويطلب منه ما يريد، ولم يعد البائع هو بالضرورة صاحب الدكان الجالس خلف "الدف" مع حاجز يفصله عن الزبائن. وبعد عهد السوبرماركت صار أفضل وصف يطلق على محترف العمل في الدكاكين أن يقال إنه "فتح سوبر" اختصاراً، أي بالتخلي عن كلمة "ماركت" العادية.
ورغم ما حصل من تأثير على الدكاكين والبقالات إلا أنها ظلت لغاية مطلع القرن الحالي، صامدة وأعدادها في تزايد، واقتصر التأثير في حالات كثيرة على حق الزبون بالوصول إلى بعض الرفوف، بينما بقيت أغلب البضائع تحت سيطرة البائع.
منذ عقدين، دخلت تسمية "مول" إلى البلد بكامل سحرها، مع انها في الأصل غير ساحرة كما أشرنا سابقاً، وانتشرت بتسارع، وقد اقتصرت مواقعها في السنوات الأولى على مناطق عمان الغربية، وانتشرت أسماء بعضها على مستوى واسع وفي مختلف الأوساط الشعبية، ثم دخلت بقوة إلى عالم المقارنات التسويقية، ثم أصبحت زيارة المول بحد ذاتها نشاطاً خاصاً، بغض النظر عن حجم المشتريات أو حتى إن كان هناك مشتريات أصلاً، وأصبحت الزيارة العائلية برفقة الأطفال ممكنة بل مرغوبة، فلا يوجد في المولات بائع يطلب من الأولاد أن ينصرفوا من أمام المحل، ولم يعد وجودهم "قطيعة رزق"، واختفت العيون التي تراقب أيدي الأولاد المرافقين لأهلهم، لصالح كاميرات مخفية تسجل مخالفات الزبائن في أفلام من بطولتهم.
التطور الأكبر، حصل منذ أن ابتدأت المولات تقام في باقي الأحياء خارج عمان الغربية، ثم في المدن الأخرى، بل إلى المناطق "الشعبية" (وضعنا كلمة "شعبية" بين أقواس للتحفظ عليها فهي تعني إعادة تعريف الشعب!).
في هذه الأثناء، تراجعت مكانة كلمة "مول"، واكتشف الناس أنه لا توجد شروط على استخدامها، وصار بامكانك أن تجدها في أحياء ومواقع متواضعة في القرى والمخيمات حيث يسكن الفقراء.
مصير الدكاكين
سجلت تلك الفترة حالة اضطرب في وضع الدكاكين والبقالات، وأعيد توزيعها، واختفى بعضها، وغيّر بعض أصحاب الدكاكين محتويات محلاتهم، ووفق متحدثين لكاتب هذه السطور، فإن أسعار المحلات (الخلو) اختلت في بعض المناطق، وكان نشوء مول أو البدء في إقامته يعني أن السوق المجاور دخل في حالة انتظار وقلق.
ولكن، رغم ذلك، هناك دكاكين صمدت وعلى مقربة من المولات أحياناً، بل هناك دكاكين جديدة تفتح، فما هو سر صمود الدكان؟
يرى أحد محدثينا، وهو صاحب دكان في شارع قريب من مول كبير افتتح حديثا في منطقة شعبية، أن التأثير السلبي عليه وعلى أمثاله محدود، وذلك بالنظر لطبيعة قطاع واسع من الزبائن المقيمين في المنطقة، وطبيعة طرقهم الشرائية التي لم تكتشف المولات وسيلة للاستجابة إليها:
فهناك المواطنون (زبائن) الذين يشترون بكميات بسيطة جزئية جداً، يمكن أن نسميها: "مْفَرّق المفرّق"، ويشترون كل يوم بيومه، بل كل وجبة بوجبتها.
وهناك زبائن اعتادوا الشراء بالدّين (على الدفتر) ولا تزال الدكاكين تحتفظ بدفتر للزبائن. ولحسن الحظ لم تكتشف المولات بدائل للشراء بالدين، إلا من خلال بطقات الائتمان التي تضع البنوك شروطا صعبة على إصدارها، وهي شروط لا تنطبق على الزبائن وفق التعريف الذي يعتمده هذا التقرير.
وتعتمد الدكاكين على العلاقات الخاصة الاجتماعية، حيث يرسل الأب، أو ترسل الأم، ابنها إلى الدكان، ومعه ورقة تحتوي قائمة المشتريات، وقد يحمل الولد النقود أو لا يحمل، وقد يحمل نقودا غير كافية أو زائدة، وكل ذلك يجري وفق علاقة ثقة لأن صاحب الدكان يعرف الولد وأهله.
توفر بعض الدكاكين خدمات أخرى للزبائن، مثل وضع بعض الكراسي أو الصناديق أو الأحجار الكبيرة، يمكن ان يستريح عليها الزبون او يتبادل النقاش مع البائع أو مع زبائن من الزملاء، كما تتيح مراقبة الشارع العام في أوقات الفراغ. وهذه تشكل جانبا من "متعة تسوق" خاصة منسجمة مع متطلبات خاصة لا تلبيها المولات.
أما الميزة الخاصة التي توفرها الدكاكين، فهي "الترجيع" السهل للبضاعة المباعة، من دون تدقيق فواتير او مراجعة سجلات، ولا استعادة الفيلم الذي سجلته كاميرات المراقبة التي تنشرها المولات في كل المواقع والزوايا.
في بعض الحالات تنجح دكاكين في إقامة علاقات تتميز بالإخلاص طويل الأمد، بحيث لا يؤثر فيها تبدلات السوق بما في ذلك إقامة المولات. وتصل الثقة بين الزبائن وأصحاب الدكاكين إلى درجة تبادل الأسرار الشرائية مع أرباب الأسر وربات الأسر، فبمقدورك بلا حرج أن تطلب من صاحب الدكان أن يساعدك في تقنين المشتريات من قبل أفراد الأسرة.
وتبقى ميزة القرب من البيوت، وعدم الاضطرار إلى التنقل أو الحمل لمسافة طويلة أو دفع اجور نقل. يضاف إلى ذلك الزبائن الذين يميلون إلى اتخاذ قرارات رشيدة اقتصاديا، أي الذين يحملون أو يحفظون قائمة مشتريات محددة، ولا يحبون التعرض لضغوط العرض الجميل أو "العروض".
تبقى الإشارة إلى ان بعض المولات أخذت تطور أساليب شعبية للوصول إلى زبائن الدكاكين وزعزعة صمودهم على نمطهم الاستهلاكي، ويتجول مندوبون عن هذه المولات كل صباح في الأحياء الشعبية، يوزعون أوراقاً تحث الزبائن على الانتقال إلى المول، مع تأكيدات يائسة بأن ما تجده في الدكان متوفر لدينا.
باختصار، هناك ميل قوي ومدعوم بالسياسات الكلية، إلى مركزة الثروة المتحققة من التجارة، وإلى تقليص عدد المستفيدين، أي اختيار نمط يتميز باختلال في التوزيع لصالح أقلية، ولكن هناك وسائل للصمود أهلية لا تزال لها بعض الفاعلية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدخل الذي يأتيهم (د. محمد يعقوب خواج)

    الاثنين 22 كانون الثاني / يناير 2018.
    باختصار، هناك ميل قوي ومدعوم بالسياسات الكلية، إلى مركزة الثروة المتحققة من التجارة، وإلى تقليص عدد المستفيدين، أي اختيار نمط يتميز باختلال في التوزيع لصالح أقلية!!!! وماذا عن حموع العاملين ابتداء من الحماية ومرورا بعمال التنظيف وانتهاءا بالمدير العام لتلك المحلات الكبيرة اليسوا مواطنين يعيشون من الدخل الذي يأتيهم !!!
  • »مقال جميل (عادل صبح)

    الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018.
    اشكرك على هذا المقال الجميل , تأريخي ...اجتماعي ....اقتصادي