القطاع السياحي ركيزة أساسية في الاقتصاد والتنمية

تم نشره في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

زياد الرفاتي *

تعد السياحة وسيلة ترفيه وتغيير، فكثير من علماء النفس ينصحون من يتعرض لأمراض التوتر والاكتئاب بالسفر، لما لذلك من دور ايجابي في التغيير نحو الجانب الجيد في حياة الأفراد.
وهي وسيلة أيضا لتبادل الثقافات ونشر السلام والتعرف على عادات وتقاليد الشعوب بما يساهم في تعميق العلاقات وتحذيرها بين شعوب العالم.
والمفهوم العالمي الحديث للسياحة اليوم يعتبرها إحدى الصناعات الحديثة التي تساهم بدرجة كبيرة في رفد الدخل القومي بالعملات الأجنبية، كما تساهم في حل مشكلة البطالة والمشكلات الاقتصادية التي تواجه الدول وبالرغم من أنها تعتبر من الصناعات الواعدة، إلا أنها حققت شأنا كبيرا في الكثير من دول العالم وتدعم كل القطاعات الاقتصادية الأخرى من صناعة وتجارة ونقل وخدمات...الخ،  وتعكس صورة البلد الحضارية لجميع دول العالم.
أما في الأردن، فإن السياحة هي رأسمالنا الحقيقي وهي الثروة العظيمة للأردن، والقائمون على قطاع السياحة والحكومة والقطاع الخاص يمضون بالعمل على قدم وساق لتنفيذ استراتيجيات وخطط وبرامج ومشاريع لتطوير هذا القطاع والدخول في مفهوم الاقتصاد السياحي، وتحويل المملكة إلى مركز جذب سياحي في المنطقة العربية واستكشاف أسواق جديدة رغم التحديات التي تواجه الاقتصاد الأردني بسبب محدودية الموارد الطبيعية.
وأطلقت وزارة السياحة الاستراتيجية الوطنية لتطوير القطاع السياحي للأعوام (2017 - 2021) حول أثر السياحة على الاقتصاد الوطني بشكل عام وعلى المواطن بشكل خاص والتي تهدف إلى زيادة أعداد السياح الأردنيين والعرب والأجانب، وزيادة فترة إقامتهم بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد، ورفع سوية معيشة المواطن، إضافة إلى دمج المواطن في عملية النهوض بالمنتج السياحي الأردني كمكون أساسي، والارتقاء بأدائه في الحفاظ على المواقع والمرافق السياحية والأثرية وتعزيز السلوك الايجابي للمواطن في التعامل مع السائح.
وحقق القطاع السياحي الأردني العديد من المؤشرات الايجابية على الرغم من الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في المنطقة والإقليم، حيث ارتفع الدخل السياحي للمملكة إلى 2.989 مليار دينار خلال الأحد عشر شهرا من العام 2017 مقارنة مع 2.650 مليار دينار للفترة ذاتها من العام 2016 بزيادة نسبتها 12.8 %،  وهذا الارتفاع ناتج عن زيادة عدد السياح بنسبة 9 % بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2016، حيث بلغ إجمالي أعداد سياح المبيت الذين دخلوا المملكة خلال تلك الفترة من العام 2017 ما يقارب 3.9 مليون سائح مقارنة مع ما يقارب 3.6 مليون سائح للفترة نفسها من العام 2016.
وشهد القطاع السياحي تطورا ملموسا في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين نتيجة حرص وإدراك جلالته لأهمية القطاع وأثره على الاقتصاد الوطني وتحقيق معدلات نمو مستدامة وتوفير فرص العمل، ويشكل القطاع السياحي حوالي 15 % من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.
وتهدف وزارة السياحة والآثار إلى تعظيم مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي ومكافحة الفقر من خلال إدماج المجتمعات المحلية في النشاط السياحي، وتقديم الخدمات الأساسية، وتطوير القطاع السياحي ليساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أما التحديات التي تواجهها الوزارة، فتتمثل في ارتباط الأداء السياحي للقطاع بشكل عام بما في ذلك تدفق الزوار إلى المملكة بالأوضاع السياسية في المنطقة، وارتباط عملية تشغيل العديد من المواقع بقطاع البلديات الذي يحتاج إلى الدعم الفني والمالي، وارتباط عملية تطوير المنتج السياحي بالعديد من المؤسسات ومن ضمنها القطاع الخاص مما يؤدي إلى صعوبة توجيه السياسات والقرارات لما فيه مصلحة القطاع السياحي،  وعدم توفير قنوات التغذية الراجعة بما يسهم في تسهيل اتخاذ القرار في عمليات تطوير المواقع السياحية وتطوير المنتج السياحي الأردني.
وقد حبا الله الأردن بمقومات السياحة التي تدفع السياح إلى القدوم من أوطانهم حبا في استطلاع ومشاهدة الأماكن السياحية والأثرية والتاريخية والثقافية والدينية على امتداد الوطن، والمناخ الملائم للسياحة صيفا وشتاء، وطبيعة المجتمع الأردني بحسن ضيافته، وتوفير المهرجانات السياحية والبرامج الثقافية مثل معارض الحرف وعروض الفرق التراثية والأزياء الشعبية والكتب التي تحكي تاريخ الأردن وتراثه الفني والموروث الحضاري التاريخي والثقافي والتراث الذي يمتاز به الأردن، ونعمة الأمن والاستقرار، وسهولة الوصول إلى المواقع السياحية عبر شبكة المواصلات الجوية والبرية والبحرية، وتوفر البنية التحتية الملائمة.
وتعتبر منطقتي البحر الميت والعقبة إحدى ركائز السياحة في الأردن، فمنطقة البحر الميت تعتبر أحد أهم مقاصد الزيارة والاستجمام التي تستقطب السياح من شتى بقاع العالم، إضافة إلى إنها تعتبر المتنفس الأكبر للسياحة الداخلية لقربها من العاصمة وتوسطها بين مدن المملكة.
وتبذل الحكومة جهودا للنهوض بالمنطقة وتسويقها عالميا ومحليا كأحد أهم الأماكن الجاذبة للسياحة في الأردن وتشجيع السياح على البقاء لفترة أطول فيها، وبالتالي فان هناك مسؤولية مشتركة على الجميع بالحفاظ على نظافة المنطقة وتأهيلها وتوفير الخدمات الضرورية والبنية التحتية اللازمة بما يخدم المنطقة كوجهة سياحية وبما يليق بالأردن وسمعته السياحية وباعتبارها حقا للجميع وللأجيال القادمة، وزيادة الوعي بين الزائرين والسياح وحثهم على ضرورة المحافظة على نظافة المكان من خلال النشرات والرسائل التوعوية.
كما تكمن أهمية البحر الميت كمنطقة جذب للمؤتمرات العالمية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي وغيره، واحتضانه مركز الملك حسين للمؤتمرات وهو مركز ذو مستوى عالمي من ناحية الطاقة الاستيعابية والخدمات المقدمة،  وفنادق الخمس نجوم العالمية المتوفرة في المنطقة بالإضافة إلى الخصائص المميزة للبحر الميت.
أما العقبة،  فهي منفذ الأردن البحري وعاصمته السياحية، مما يؤكد على ضرورة توفير وتحسين جميع الخدمات المقدمة لزوارها من خلال تطوير المنتج السياحي،  وتطوير واقع الخدمات والبنية التحتية في العديد من المواقع السياحية، وتسويق العقبة ضمن خريطة السياحة العالمية، وتعاون القطاع السياحي وتكثيف الترويج والتسويق لها.
وما يزيد من أهميتها وجود مطار جوي وميناء بحري يسهل من عملية وصول السياح والزوار إليها واستقبال الأفواج السياحية وخاصة عن طريق البواخر، ويسهم المطار في دعم الاقتصاد الوطني والقطاعات والنشاطات السياحية من خلال الناقل الجوي الوطني،  فنجاح المطار هو نجاح للأردن بأكمله وترسيخ لسمعة المملكة كوجهة جاذبة للأعمال والنشاطات السياحية.
وقد تم البدء مؤخرا بتنفيذ مشروع الطريق الصحراوي وفقا للمواصفات العالمية نظرا لأهميته الاقتصادية والاجتماعية والسياحية، ويعتبر محورا تنمويا وشريانا رئيسيا مهما للأردن حيث يربط محافظات الجنوب الأربع بالعاصمة عمان وباقي مناطق المملكة ، ولكونه الطريق الرئيسي لمدينة العقبة السياحية ومينائها وحركة الاستيراد والتصدير،  ويساهم ذلك في تنشيط وتحفيز السياحة في المحافظات الجنوبية.
وما ينطبق من إجراءات المحافظة على تلك المواقع، ينسحب أيضا على المواقع الأخرى في المملكة من جرش والبتراء ووادي رم وغيرها.
وقد برز في الفترة الأخيرة نوع جديد من السياحة في الأردن وهو سياحة المؤتمرات لجذب عقد مؤتمرات عربية وإقليمية ودولية، وأصبحت عنصرا مهما في الترويج للمواقع السياحية والأثرية والدينية والتي تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني والتوظيف.
أما سياحة المهرجانات، فتتعدد مساراتها الفنية والثقافية وتعمل على تنشيط السياحة والحركة الثقافية وإحياء الموروثات من الشعر والتراث والفولكلور الأردني وإظهار الدور الحضاري والإبداعي للتراث وتسويق المنتوجات اليدوية والصناعات التقليدية في المناطق التي تقام فيها هذه المهرجانات، وتستقطب السياحة المحلية والعربية مثل مهرجان جرش للثقافة والفنون،  مهرجان شبيب للثقافة والفنون، مهرجان الفحيص للثقافة والفنون ومهرجان صيف عمان.
وفي سياق السياحة التعليمية، أطلقت وزارة التعليم العالي في الأردن مؤخرا خطة طموحة ومهمة تعمل على زيادة استقطاب الطلبة العرب والأجانب من 40 ألف طالب وطالبة حاليا إلى 70 ألفا بحلول العام 2020 للدراسة في الجامعات الأردنية،  وبما يسهم في جعل المملكة مقصدا رئيسيا لهؤلاء الطلبة وانعكاس ذلك إيجابا على الدخل القومي والاقتصاد الوطني، وتعميق دور قطاع التعليم العالي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية، وتنشيط الحركة السياحية واستدامتها.
أما السياحة الدينية، فإن هناك جهودا تبذل من الجهات المعنية من خلال تأهيل المواقع الدينية والادلاء المختصين بذلك، حيث يضم الأردن عددا كبيرا من المواقع الدينية الإسلامية من مقامات وأضرحة والمسيحية التي يعد المغطس من أهمها، وبدأ يحظى باهتمام كبير بعد إدراجه على لائحة السياحة العالمية مما يستوجب العمل على إدامة تطوير الموقع والخدمات المقدمة لتحفيز الزوار من جميع أنحاء العالم لزيارته، واستخدام وسائل الإعلام الحديثة للترويج له.
أما السياحة البيئية،  فان الإحصائيات تظهر ارتفاعا في أعداد السائحين خلال الثمانية أشهر الأولى من العام 2017 بمعدل 15 % عقب إعادة تأهيل المحميات وتحسين نوعية الخدمات المقدمة للسياح والزوار، وما زالت الجهات القائمة عليها بحاجة للقيام بحملات بهذا الشأن لزيادة أعداد الزائرين والترويج للسياحة البيئية وإعطائها الاهتمام الكافي لجذب المواطنين لزيارة مختلف المحميات الطبيعية.
وفي مجال الغابات، فان القائمين عليها يبذلون جهودا للحد من المشاكل. والتحديات التي تواجهها، ورصد أي انتهاكات لها علاقة بالتحطيب الجائر والتصدي للمعتدين عليها، للمحافظة على الثروة الحرجية والغابات لإسهامها في التشجيع على السياحة الداخلية.
أما المتاحف، فهي تعتبر مواقع سياحية متميزة تقدم خريطة الأردن السياحية بطريقة إبداعية شاملة، وتتيح الفرصة لزوارها الاطلاع على معالمها تشجيعا للسياحة الأثرية، وتعمل على جمع وتوثيق التراث الحضاري الذي يحكي تاريخ الأردن على مر العصور، إذ يميز موقع الأردن التاريخي نقطة التقاء  للحضارات والثقافات المختلفة.
كما تنظم هذه المتاحف خلال العام معارض بداخلها يتوافد عليها الزوار والطلبة من مختلف المراحل التعليمية للاستمتاع بفعالياتها، وتشكل فرصة حقيقية للتعريف بتاريخ الحضارات ولا سيما تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
ولا بد من الإشارة إلى مساهمة القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية في تشجيع السياحة الداخلية والخارجية، عن طريق توفير الأمن والاستقرار داخل البلاد، مما يخلق مناخا  ملائما لنمو وتطور السياحة ويظهر هذا الدور من خلال حماية المواقع السياحية من العبث ومكافحة تهريب التحف الأثرية،  وكذلك من خلال فتح أبواب صرح الشهيد أمام الزوار.
كما تساهم القوات المسلحة بالترويج للأردن سياحيا واقتصاديا من خلال المشاركة بالدورات والبعثات والوفود المشاركة بالمعارض العسكرية الدولية، كما تساهم في تعريف الأردن سياحيا من خلال استضافة الوفود الأجنبية والعربية الزائرة للقوات المسلحة.
وضمن حزمة الجهود التي يتخذها البنك المركزي الأردني لتعزيز أداء القطاع السياحي وتمكينه من تحقيق معدلات نمو مقبولة وتوفير التمويل اللازم له، فقد شمل قطاع السياحة ضمن برنامج التمويل المتوسط الأجل إلى جانب خمسة قطاعات  اقتصادية أخرى، بهدف تحفيز النمو الاقتصادي وذلك من خلال  توفير تمويل متوسط الأجل للبنوك المرخصة بهدف إعادة إقراض القطاع السياحي بسعر فائدة يقل بمقدار نقطتين مئويتين عن سعر فائدة إعادة الخصم، لما لهذا القطاع من أهمية متميزة  في الاقتصاد الوطني وداعم رئيسي في النمو والتوظيف.
وتظهر النشرة الإحصائية الصادرة عن البنك المركزي أن الرصيد التراكمي القائم للتسهيلات الائتمانية المباشرة الممنوحة من البنوك المرخصة لقطاع السياحة والفنادق والمطاعم كما في 30/ 9/ 2017 يبلغ 617 مليون دينار وتشكل ما نسبته 5.2 % من إجمالي التسهيلات الائتمانية الممنوحة لكافة القطاعات الاقتصادية البالغة 4.24 مليار دينار.
وختاما، فان قطاع السياحة يعتبر أحد أهم محركات النمو  وتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو بحاجة إلى جهود متكاملة بين الحكومة والقطاع الخاص بحيث يأخذ القطاع مكانته الصحيحة في الاقتصاد الوطني.

* خبير اقتصادي

التعليق