علاء الدين أبو زينة

المُعذَّبون..!

تم نشره في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018. 12:08 صباحاً

يقول الذين خبِروا الاعتقال أن الإنسان إذا ضُرب على أسفل قدميه، فإنه يتألم كثيراً، ثم يصل مرحلة تتخدر فيها الأعصاب ويتبلد الإحساس ولا يعود يشعر بالألم. ولا بدَّ أن تكون هذه حالة مريحة للمعذَّب. وربما الأفضل منها لو فقد الوعي جملة وتفصيلاً. لكنها في النهاية لا يمكن أن تكون إلا جزءاً من سياق غير مريح ولا صحي ولا أخلاقي إطلاقاً: التعذيب!
وقد لا تكون هذه الحالة مريحة للجلاد أيضاً، لأنها تُفقده متعة رؤية ضحيته وهو يتألم، أو تُشعره بأنه خسر معركة كسر إرادة الضحية بجعله "يعترف". لكنّ الأسوأ من كل شيء هو أن لا يكون الخدَر مؤقتاً، وأن يصبح بلادة مزمنةً في الإحساس، بحيث يتحول الإنسان إلى شيء يتحرك كالآلات. وربما يكون من أبلغ التصويرات لهذه الحالة هو ما جاء في الفيلم الرائع Shutter Island.
إنك ترى في الجزيرة/ السجن أو المصح العقلي، أناساً يكنسون أو يتحركون ببطء وبلا اهتمام ولا صِلة، وكأنهم أشباح تنسلُّ هامش العالم. وتفهم بعد ذلك أنهم أخضِعوا لعملية جراحية تسمى "استئصال الفص الجبهي". وحسب الأدبيات، فإن "بَضع الفص أو  فصل فص المخ الجبهي "، Lobotomy، هي نوع من العمليات التي تجرى لعلاج حالات مرضية عصبية ونفسية، والتي تتضمن قطع الاتصال بين الفص المخي الجبهي وباقي الدماغ. وفي البداية، بدا أن هذه العملية حققت نجاحاً كبيراً، حيث تحوَّل سلوك بعض المرضى من الحدة والعنف إلى الهدوء. لكن المشاكل ظهرت بعد ذلك على المدى الطويل، حيث عانى المرضى بعد العملية من الاضطرابات الحادة في الشخصية والسلوك، ومن فقدان الطموح والحافز في الحياة.
شرق المتوسط منطقة تشبه إلى حد كبير جزيرة السجن. وعندما كتب الروائي الراحل العظيم عبد الرحمن منيف روايتيه عن "شرق المتوسط"، كانت الصورة النهائية هي ممالك التعذيب. ومع ذلك، بدا أن الناس يفقدون الإحساس بألم القدمين، لكنهم يصمدون ولا يفقدون الشعور. وعند ذورة نادرة في العقد الأخير، أصبحوا يصرخون ويركلون ويحتجون على الجلادين. لكن المشهد كله سرعان ما غرق في الفوضى والعِراكات، ولم يعد المشاهد يتبيَّن شيئاً أو يُميِّز الضارب عن المضروب في الغبار الكثيف.
بشكل ما، اختلطت الأشياء على الوعي وتغيّرت تعريفات الجدوى. وفي بعض الأماكِن، شرع الناس في دخول مرحلة فقدان الإحساس في الأطراف من شدة الألم، والاستسلام للذهول واللامبالاة والانفصال. ولم يعد من غير المألوف مشاهدة أناس "يكنسون" صامتين، وكأنهم ليسوا معنيين ولا يشعرون.
الخوف، مع ذلك، هو أن ينتهي كل شيء إلى حالة "الهدوء" الأخير. أن تنجحَ القوى التي تمتلك الأدوات في إجراء عملية "فصل المخ الجبهي" للشعوب، بل أن يذهب الناس اختيارياً إلى مبضع الجراح لأنهم لم يعودوا يحتملون. وفي الفيلم المذكور، يختار بطل القصة، الذي اختبر تجربة مؤلمة هي قيام زوجته المريضة بإغراق أطفاله حتى الموت، أن لا يشفى من فقدان الذاكرة، ويفضل أن تُجرى له عملية فصل المخ الجبهي حتى تذهب الذكريات إلى الأبد.
كما يبدو دائماً في هذه المنطقة، تفضل السلطات الناس الساكتين، "العقلاء"، الذين يغمضون أعينهم ويحاولون التكيُّف مع النسيان. ويبدو أن عقلية اختصار الطريق، ربما تفضل أناساً أجريت لهم عملية فصل المخ الجبهي. وسوف ينتج ثقل الضغط واستهداف مواطن الألم فقط محكومين ليسوا بشراً، لا يركلون ولا يصرخون، ولا ينطوون على عاطفة فرح ولا ألم. وسيصبح المشهد مثل والدٍ لديه أطفال صم بكم لا يلعبون، ولا يكسرون ولا يصرخون. فأيُّ بيت؟!
ربما، عند نقطة ما، سيتذكر أحدٌ زمن الفوضى والاحتجاج والعراك ويترحّم عليه. ربما سيكون زمن الناس الأحياء، الذين لهم ردة فعل على الألم، حتى لو جلبت الفوضى، جنّة بالقياس إلى عالَم يسكنه أحياء/ أموات صامتون وغير مبالين. سوف يكون لدى المشرفين على السجون الكبيرة أناسٌ، أو موضوعات، هادئون ومنفصلون، لكنهم سيحكمون فقط أناساً معذَّبين، وصلوا إلى خَدرٍ نهائي -بما تنطوي عليه فكرة التعذيب من اللاطبيعية، واللاأخلاقية، وحرمان الناس من الطموح والحافز في الحياة!

التعليق