تطور أزمة اللاجئين

تم نشره في الأحد 21 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
  • أطفال سوريون في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن - (أرشيفية)

إريك بيرغلوف*

لندن- بينما كان الألمان يحتفلون بعيد الميلاد المجيد، فإنهم كانوا يتذكرون أيضاً أولئك القتلى الذين راحوا ضحية هجوم العام الماضي على سوق عيد الميلاد في برلين، والذي نفذه مهاجر رُفِض طلبه للحصول على حق اللجوء. وكان ذلك الحدث سبباً في تأجيج المشاعر العامة ضد المهاجرين، وربما لعب دوراً في فشل المستشارة أنجيلا ميركل المذهل في تشكيل حكومة ائتلافية جديدة بعد الانتخابات الفيدرالية التي أجريت في أيلول (سبتمبر). وبين الناخبين الألمان، تنتشر على نطاق واسع المخاوف من قدوم موجة أخرى من المهاجرين، والتي يمكن أن تغرق البلاد مثل تلك التي تدفقت عليها قبل عامين.
غير أن الحقائق على الأرض تغيرت إلى حد كبير. ففي الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، كان مركز الإشراف على الهجرة في وزارة الخارجية الألمانية في فيرديرشر ماركت في برلين يتعقب تدفقات اللاجئين عند كل معبر حدودي محتمل على الطريق من اليونان إلى ألمانيا. وفي نهاية المطاف، من أصل 12 مليون نازح سوري، وصل مليون شخص إلى أوروبا. وعلى الرغم من الاستجابة الكبرى من قِبَل الحكومة الألمانية والأفراد من عامة الناس، فقد انتهى الحال بالعديد من طالبي اللجوء إلى النوم في الشوارع وفي محطات السكك الحديدية. وفي ذلك الوقت، اجتاحت البلاد إشاعات حول موجة من الجرائم التي يرتكبها مهاجرون، على الرغم من أن الأبحاث وجدت في وقت لاحق زيادة ضئيلة في الجريمة على طول مسارات الهجرة.
ولكن، بعد عامين تغير الكثير. فكان المحرك البيروقراطي الألماني يعمل بكامل طاقته لمعالجة طلبات اللجوء وتسهيل الإدماج. ومن بين 700 ألف طلب لجوء في العام 2016، تم رفض ما يقرب من 300 ألف طلب، والآن ينتظر هؤلاء الأشخاص إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. وبدأت اليونان، وهي أول محطة في الاتحاد الأوروبي للاجئين من الشرق الأوسط، بإغلاق بعض مخيمات اللاجئين، بعد منح اللجوء لنحو 50 ألف شخص. وحتى إيطاليا، أول ميناء في الاتحاد الأوروبي يستقبل المهاجرين من أفريقيا، أصبحت تشهد الآن تراجعاً في طلبات اللجوء.
ومن ناحية أخرى، التزمت تركيا باتفاقها مع الاتحاد الأوروبي، والذي تتلقى بموجبه مساعدات مالية في مقابل استقبال اللاجئين السوريين. وقبل بدء سريان الاتفاق الذي أبرم في آذار (مارس) 2016، كانت الحكومة التركية تشجع المهاجرين واللاجئين بنشاط على مواصلة الطريق إلى أوروبا؛ والآن تعمل على دمج اللاجئين في المجتمع التركي، بل وتحاول حتى منع المهاجرين من ذوي المهارات العالية من مغادرة البلاد. وعلى هذا، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية هذا الشهر أنها تعتزم توفير 700 مليون يورو أخرى (830 مليون دولار) كمساعدات لتركيا.
كما تحسن الوضع في شمال العراق (كردستان العراق). ففي السابق، تسببت الحرب الأهلية في سورية وصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في تهجير ثلاثة ملايين عراقي ومئات الآلاف من الأكراد السوريين. ولكن الآن بعد هزيمة "داعش" عسكرياً واستعادة الأراضي التي استولى عليها، بات بوسع اللاجئين الأكراد أن يختاروا بين البقاء في العراق أو العودة إلى سورية. ومن ناحية أخرى، من المتوقع أن يعود العراقيون النازحون داخلياً إلى ما تبقى من مدنهم وديارهم، وهي العملية التي تسارعت بفعل تجدد مطالبة أكراد العراق بالاستقلال في العام الماضي.
على خلفية هذه الظروف المتحسنة نسبياً، يبرز لبنان كاستثناء. فعلى الرغم من أن عدد سكان لبنان لا يتجاوز 4 ملايين نسمة، فإنه يستضيف الآن أكثر من 1.5 مليون لاجئ سوري. وكانت النتيجة تنامي الشعور بالإجهاد الناجم عن تزايد أعداد اللاجئين، والذي يهدد بزعزعة استقرار الترتيب الهش المعمول به في البلد متعدد الطوائف لتقاسم السلطة. وبالفعل، بدأ الخطاب الحكومي يركز على إعادة اللاجئين إلى سورية بدلاً من تحديد أفضل السبل لتوفير احتياجاتهم.
أما عن اللاجئين أنفسهم، فقد أصبح كثيرون منهم منتشرين في شوارع بيروت العاصمة، ولكن أغلبهم ما يزالون عالقين في مخيمات أو مجتمعات مضيفة مؤقتة، فضلاً عن افتقارهم إلى القدرة الكافية على الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم. وحتى عندما تستوعب المدارس والجامعات اللاجئين، فإن فرص حصولهم على عمل بعد تخرجهم تظل محدودة. والآن، ينشأ جيل جديد ضائع في بلد مزقته لفترة طويلة جهود التكامل غير المتقنة. ولكي يزداد الطين بلة، في أعقاب استقالة وعودة رئيس الوزراء سعد الحريري، يشهد لبنان الآن أزمة سياسية جلبت شبح العودة إلى الحرب الأهلية.
فما العمل إذن؟ ربما يزودنا الأردن المجاور بنموذج يمكن محاكاته. فبدلاً من إدماج اللاجئين، علم الأردن حتى وقت قريب على إبقائهم إلى حد كبير على طول الحدود السورية. وفي البداية، تسبب ذلك في ترك اللاجئين بلا قدرة تُذكَر على الوصول إلى التعليم أو أسواق العمل. ولكن، بفضل الجهود المتضافرة التي يبذلها المجتمع الدولي والتمويل من الاتحاد الأوروبي، تُدار الآن برامج عديدة لتحفيز الاستثمار، وتشجيع الشركات على توظيف اللاجئين، وإقامة مناطق اقتصادية خاصة على الحدود. ومن خلال تحفيز النشاط الاقتصادي على الحدود، بموجب هذه الفكرة، يُصبِح بوسع مجتمعات وشركات اللاجئين السوريين أن تبدأ في تطوير القدرة اللازمة لإعادة بناء سورية بعد الحرب عندما يحين الوقت لذلك. ومن السابق للأوان الآن تقييم الأثر الكامل لهذه التدابير، ولكنها مع ذلك واعدة ومبشرة بالخير.
ولكن، يتعين على أوروبا من جانبها أن تبذل قدرا أعظم كثيراً من الجهد لتوفير التمويل. فقد أفضى فشل الحكومات الأوروبية في إدارة التدفق المفاجئ من اللاجئين في العام 2015 إلى تغذية النزعة الشعبوية والتعصب في مجتمعات كانت مفتوحة سابقاً. صحيح أن هذا الفشل كان راجعاً بشكل جزئي إلى قيود حقيقية، وخاصة تلك التي تفرضها نظم الرعاية الصحية والتعليم. ولكن هذا يعكس أيضاً سوء الإعداد، والافتقار إلى التنسيق، ونقص الاستثمار.
تشكل أزمة اللاجئين في الأساس تحدياً جهازياً، لأن التطورات في أي بلد من الممكن أن تؤثر على العديد من البلدان الأخرى. وعلى هذا، فإن الأزمة تتطلب استجابة على مستوى الاتحاد الأوروبي واستجابة عالمية في واقع الأمر. ولحسن الحظ، للمرة الأولى منذ اندلعت الحرب الأهلية في سورية، ظهر الأمل في قيام الاتحاد الأوروبي بصياغة نهج مشترك فعّال في التعامل مع المشكلة وفي خطاب عريض النطاق ألقاه في جامعة السوربون في أيلول (سبتمبر)، ضخ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قدراً من الطاقة الجديدة في شرايين عملية صنع السياسات في الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد. وباستلهام النموذج الأردني، يستطيع صناع السياسات في الاتحاد الأوروبي الآن أن يشرعوا في وضع سياسة أكثر تماسكاً واتساقاً وقائمة على الواقع في التعامل مع قضية الهجرة.
بطبيعة الحال، يتوقف الكثير على ألمانيا. وينبغي لنا أن نأمل في أن لا يسمح قادتها للمشاعر الحماسية بشأن الهجرة بنسف اتفاق الائتلاف. كما يتعين عليهم أن يدركوا أن القيادة الألمانية في الاتحاد الأوروبي، وعلى الساحة العالمية، تشكل أهمية بالغة في إدارة تحدي الهجرة، وخاصة في ألمانيا ذاتها.

*كبير الاقتصاديين السابقين في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وهو أستاذ الاقتصاد ومدير في معهد الشؤون العالمية، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق