تونس.. المنحنى الطويل والهزيل للثورة الديمقراطية

تم نشره في الاثنين 22 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • تونسي يبيع الأعلام في يوم ذكرى الانتفاضة التونسية العام الماضي – (أرشيفية)

حاتم مراد - (لوموند) 15/1/2018

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تونس- كان من المفترض أن تؤشر الثورة التونسية على انفصال جوهري عن الماضي. لكنننا نتفاجأ، بعد سبعة أعوام من اندلاعها، برؤية أن العديد من الشرائح التونسية ما تزال ملتصقة بالماضي وبقاياه وطقوسه. وهي تدافع عنه بقوة. وقد ترددت أصداء المذكِّرين بإصرار بالّدين، رائد الاستقلال التونسي الحبيب بورقيبة وخلفه المعزول زين العابدين بن علي،  بصوت عالٍ في الأعوام التي أعقبت الثورة، وآذنت بدخول البلاد فترة من الندم.
إننا نتحدث عن الحرية، ومع ذلك نحب أن نستعيد الحكم المطلق القديم. ونتحدث عن الديمقراطية، لكننا نحب أن نفسح المجال لإدارة إسلاموية. وفي العام 1789، وبعد أن تمكنت الثورة الفرنسية من استئصال الأرستقراطية ورجال الدين الفرنسيين، وأظهرت أنهم بلا معنى، هل كان باستطاعتهم استعادة كل شيء كانت التيارات قد جرفته بعيداً؟ وبعد سبعة أعوام من ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 التي أطلقت الربيع العربي، أصبح أولئك الذين يشعرون بالحنين إلى الدين وسلطة الدولة يعثرون على أرضية مشتركة.
يلتصق الإسلاميون بقانون مقدس غير قابل للتغيير، والذي شاهده المغاربة وعاشوه من خلال أعراف ومُثُل "السلف الصالح" -وهو نموذج ظل متمتعاً بحصانة على مدار الأربعة عشر قرناً التي تلت. وبذلك، تلخص الحالة الاجتماعية والروحية التي عاشها مسلمو القرن السابع تاريخ إنسانية المسلمين-العرب بأكمله. إنه صالح لكل زمان ومكان. ولا حاجة إلى إضافة أن القانون الوضعي لم يعد مهماً، فهو مدنس. والتاريخ يتوقف هنا.
على نحو مشابه، يتمسك الحداثيون العلمانيون ببقايا الماضي أكثر من تمسكهم بفكرة التقدم. وهم يوقرون رؤية للتاريخ ظلت تتدفق حتى أوقفها رجل واحد: بورقيبة، والد تونس الحديثة الذي أصبح، وفقاً لرؤيتهم، نوعاً من كائن نبوئي، بل وحتى عابر للتاريخ: إنه في كل مكان وفي لا مكان، وهو يعيش داخل كل التونسيين عابراً للزمن.
بعد عبادة صنم بورقيبة، جاءت عقيدة عبادة الفرد لبن علي، الرجل العسكري الذي أحب الأساليب الوحشية والحكم من خلال سيادة الصمت. وكان الرجل ماهراً في فن نزع الأسلمة. وطبق معاملة شبه بوليسية على ظاهرة سياسية واجتماعية. ويشكل ذلك تضاداً واضحاً مع قادة اليوم، المتواطئين مع الإسلاميين، الذين هم ميكافيليون في حد ذاتهم.
باختصار، بالنسبة لبعض الحداثيين، فإن النظام كان مزية للماضي بقدر ما هو الاضطراب والارتباك بالنسبة للحاضر المخنوق. ويسود الالتصاق بالأوتوقراطية على التقدير الحالي لوضع ديمقراطية ما تزال تترنح بالتأكيد. لكن غضبهم ضد الثورة أو ضد الرجال الممسكين بالسلطة التي تقود الانتقال السياسي هو حقيقة من حقائق الثورة، من حقائق الحرية التي تأتي بعد سلبية أسلافهم أو إذلالهم من جانب السلطة، أو الحزب المفرد أو العائلة الحاكمة. وما تزال هذه الجهات الحداثوية تتعرض للتثبيط بفعل التدفق الهائل للإسلاميين في المرحلة الانتقالية، كما لو أنهم جاؤوا من العدم.
وهكذا، يكون من المألوف، بعد ثورة جُعلت ملعونة بسرعة، أن يتم القبول بابتهاج بالماضي -البعيد أو المعاصر على حد سواء- للحفاظ على تقاليد نظام عفا عليه الزمان، وحتى الندم على مزاياه. ولكن عندئذٍ، كيف تمكن إزاحة دكتاتور وتأسيس نظام ديمقراطي جديد، من دون الإسلاميين، الذين كانوا هم في حد ذاتهم ضحايا من الدرجة الأولى للدكتاتورية؟
يشكل الإسلاميون ثلث الناخبين التونسيين، ويجب بذلك أن يُحاربوا باستخدام الديمقراطية، لا الإرهاب –كما كان الحال في عهد بن علي- ولا عن طريق قطع رؤوسهم، كما أراد بورقيبة أن يفعل عشية الانقلاب الذي نفذه بن علي في العام 1987. في الديمقراطية، يتواجه الأضداد مع بعضهم بعضا. ونحن نحاول التمدن والتحضر من خلال الحرية ومن خلال حكم القانون. وتتطلب الديمقراطية الشجاعة أكثر بكثير من الأساليب السريعة. وعلى عكس الأنظمة الأخرى، تتجرأ الديمقراطية على مواجهة الرذائل مباشرة، حتى لو كان ذلك في خضم الفوضى الواضحة.
كانت الثورة، قبل سبعة أعوام، مصادفة وقابلة للتنبؤ بها في الوقت نفسه. والناس يصنعون الثورات لأن الحالة الاجتماعية والسياسية السابقة تصبح غير محتملة ولا تطاق، ولأنها لا تعود تواكب حركة الأفكار والآراء. إنهم ليسوا، من النظرة الأولى، الأفكار أو المفكرين هم الذين حفزوا "ثورة الكرامة"، وإنما جلبتها كتل من الأفكار والآراء التي بلا شكل، والتي عملت، بالنظر إلى مشهد نصف قرن من امتهان الكرامة اليومي، على وضع القوى المادية والفيزيائية قيد الحركة ببطء.
وحتى لو فعلت ذلك بصمت وبحركة بطيئة، فإن الثورات هي أيضاً مآثر رأي يتحرك أماماً، وأحيانا يحرض ويحث المقاومة على التقدم. وفي حالة تونس، كان هذا الرأي في مرحلة تراكم منذ اندلاع الحركة الديمقراطية في أواخر السبعينيات، عندما بدأ نظام بورقيبة في الانهيار بالتزامن مع ظهور مجتمع مدني جنيني تمثله الحركة الثلاثية للديمقراطيين الاشتراكيين؛ واتحاد الشغل التونسي العام؛ ورابطة حقوق الإنسان التونسية.
والآن، بعد الثورة، فإنها الدولة الديمقراطية هي التي يجب أن تشكل الحضارة السياسية والأخلاقية. وتظل الديمقراطية فوضوية، وأحيانا مخيبة للآمال. ولكن لا يمكن رفضها بذريعة أنها تتحدى ماضياً انتهى منذ أمد بعيد ولا يمكن أن يعود، ولم يعد يعبر عن حاجة الشعب. هل نستطيع أن نعيد الاسترقاق ونظام الوراثة، وحق الولادة وتعدد الزوجات؟ الجواب، بطبيعة الحال، هو: لا.
حتى أن التمييز في حقوق النساء في الوراثة قد محاه التاريخ وتقدم الحضارة والرأي. فالحضارة تتحرك للأمام وليس للخلف. وحتى لو أعطت الانطباع بأنها في حالة ركود بعد حادث تاريخي (حرب أو أزمة أو مجاعة)، فإنها لا تمحو أفكار التقدم الفلسفي والأخلاقي. وكلاهما يستأنف مسيرته الطبيعية فور تدوين التاريخ للحظات فقدان الوجهة والاضطراب.
دائماً ما يعلن أولئك الذين يحنون إلى الأنظمة القديمة، سواء كانت دينية أم علمانية، أن الحرية التي جلبتها الثورة تلحق الضرر بنا. لكن ما يضر بنا في الحقيقة هو أن الثورة علقت الحرية، الحرية الحقيقية، الحرية تظل موضوعاً لسوء الفهم والاستغلال من الأحزاب (من تلك التي في السلطة أو في المعارضة على حد سواء)، ومن المحرضين والحركات التي تجهل معناها، والتي تريدها لنفسها فقط وليس للآخرين. هذا هو ما يحدث في الانتقالات السياسية.
يجب علينا أن ندع التاريخ يقوم بعمله. دعونا نعد الإصلاحات التي يجب أن تحسن الأشياء، ودعونا نقبل التداعيات الضرورية وتشويهات الثورة والانتقال الذي هز أركان نظام سياسي وجيوسياسي كامل، بتقاليده، ومزاياه، وتمييزه. دعونا لا نتظاهر بأننا نستطيع حل كل شيء بضربة من السيف. دعونا نسِر في الطريق التي فتحته الحرية؛ فسوف يقودنا دائماً إلى مزيد من الحرية. إن الإسلاموية شر، شر مهلك -ولا أحد ينكر ذلك. لكن دعونا لا نسئ الحكم على الوضع. إن النضال الآن سياسي وقانوني وديمقراطي، شريطة أن يُخاض في إطار مؤسسات حديثة.
دعونا لا نكُن من الذين ينظرون إلى الخلف، ولا وحشيين أو غير متسامحين. ودعونا نثق في التقدم، في التعزيز القادم للمؤسسات الجديدة، من دون أن نتخلى عن احتراسنا الذي يعطينا دائماً الحق في معاقبة الشر عندما يستحق العقاب. لقد نثرت الثورة بذوراً طيبة. وسوف يترتب علينا الانتظار حتى تأتي اللحظة المناسبة للحصاد. ولعل أهم شيء هو العيش في القرن الذي يوجد فيه المرء وليس في قرن عاش فيه آخرون. دعونا لا نكُن "مقلدين حديثين للآثار البائدة" باستخدام كلمات بنيامين كونستانت الجميلة. وبدلاً من ذلك، دعونا نكُن خالقين تقدميين للحداثة.

*أستاذ العلوم السياسية في جامعة قرطاج ومؤسسة الجمعية التونسية للدراسات السياسية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Tunisia, The Long And Fragile Arc Of Democratic Revolution

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق