عيسى الشعيبي

الخذلان متلازمة كردية

تم نشره في الثلاثاء 23 كانون الثاني / يناير 2018. 01:04 صباحاً

لعل ما هو أشد وطأة على النفس الكردية المثخنة بجراح الانكسارات المتعاقبة في الآونة الأخيرة، وما هو اشد ايلاماً من كل ما يجري الآن في مدينة عفرين السورية، ليس القصف الجوي بكل تأكيد، ولا حمم نيران المدفعية المتساقطة على الجيب الاقرب مسافة من البحر، حيث الحلم الكردي الازلي بالخروج من عقد الجغرافيا الطبيعية، والوصول بكردستان الكبرى الى البحر، وانما هو هذا الشعور الممض بالخذلان، الذي رافق الحركة الكردية طوال تاريخها الحديث، لا سيما من جانب من بدوا لها كحلفاء استراتيجيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
فقبل ان يندمل جرح كركوك الغائر عميقاً في الوجدان الكردي، حيث تلقى اقليم كردستان العراق هزيمة ساحقة في معركة لم تقع، وابتعد الحلم بالاستقلال اكثر مما كان عليه في اي وقت مضى، تأتي معركة عفرين ذات النتائج المحسومة سلفاً، لتضيف جرحاً جديداً في وجدان امة شاءت لها الاقدار العمياء، والسياسات الاستعمارية الغاشمة، ان تتمزق بين حدود ثلاث قوميات مفترسة، لم تتفق بينها على شيء، ولم تتقاطع مصالحها المتناقضة حول اي مسألة، الا حينما يتعلق الامر بالقضية الكردية، وفق ما تجلى عليه الامر في كركوك قبل عدة اشهر.
فقد بدا الاكراد قبل نحو عامين، حين بدأت الحرب الدولية على الارهاب، كمن "باضت لهم في القفص"، تخطب الولايات المتحدة ودهم، تمولهم وتسلحهم بسخاء، وتعتمدهم كحليف موثوق، بل وتشكل منهم رأس حربة ضد تنظيم الدولة، حتى ان الدولة العظمى فضلتهم على شريكها في حلف شمال الاطلسي، حين وجدت نفسها مكرهة على الاختيار بينهم وبين الدولة التركية، الامر الذي رفع سقف التوقعات الكردية الى السماء السابعة، دون ان يلتفتوا الى مخاطر اللعب مع الكبار، حيث المصالح تتقدم على المبادئ بين عشية وضحاها.
قبل اقل من عامين كان اكراد سورية يخوضون الحرب ضد "داعش" وجبهة النصرة والجيش السوري الحر وجيش النظام معاً، باعتبار كل هؤلاء كتلة واحدة، او كجبهة مترامية الاطراف تعادي تطلعهم القديم بإقامة كونفدرالية، تمتد من الحدود العراقية الى البحر الابيض المتوسط، وفيما كانت اميركا تقدم لهم الغطاء الجوي، وتمهد الارض امام تقدمهم العسكري المتواصل، كانت روسيا ترخي الحبل لهم، وتبدي تفهماً متزايداً لنزعتهم القومية الانفصالية، الامر الذي ورط هؤلاء في اخطاء قاتلة، ليس اقلها تهجير العرب والتركمان قصراً من مدنهم وقراهم المحتلة.
من الواضح ان قادة الحركة الكردية السورية قد أسكرتهم المكتسبات الميدانية المتلاحقة، وأعمى بصيرتهم سعي الدولتين الكبيرتين المهيمنتين على الاجواء السورية الى كسب الورقة الكردية، وفوق ذلك اضطراب العلاقة بين انقرة وكل من واشنطن وموسكو لبعض الوقت، الامر الذي شجعهم على المغالاة في طموحاتهم القومية، ناهيك عن المبالغة في انتصاراتهم التي ما كان لها ان تتحقق، في عين العرب( كوباني) او منبج، او الرقة وشرق الفرات، لو لم تكن الطائرات الاميركية خصوصاً، والغربية عموماً، تعمل كجناح جوي للقوات الكردية.
في عالم الاقوياء، الذي لا يعترف الا بالمصالح، ولا يقيم وزناً للمبادئ، وجد الاكراد في سورية، شأنهم شأن أشقائهم في العراق، انهم كانوا فعلاً مجرد ورقة مؤقتة الاستخدام، وانهم في ساعة الحقيقة المرة يُخذلون على طول الخط، يتركون لمصيرهم البائس، بلا حلفاء حقيقيين في المحيط المجاور، او في النطاق الدولي، تماماً على نحو ما جرى في كركوك بالأمس القريب، وما يحدث الان في عفرين، التي رفع الاميركيون عنها الغطاء، وألقمها الروس في اللحظة الاخيرة للأفواه التركية المتحفزة لالتهام ما تستطيع التهامه من الكعكة السورية.
ازاء ذلك كله، يمكن القول دون تردد، ان الخذلان والترك، ان لم نقل الغدر التارخي، كان بمثابة المتلازمة الابدية لخط سير الحركة الكردية، وان المرارة التي ظلت تعقد حلوق هؤلاء منذ تقويض جمهورية ماهاباد في ايران، غداة الحرب العالمية الثانية، هي اليوم اشد مضاضة من قصف الطائرات التركية، لا سيما أن من كان يعوّل عليهم كثيراً، وكانوا حائط الصد الاول عن الفدرالية الكردية (روج آفا) هم الذي يغضون ابصارهم، ويضعون اصابعهم في آذانهم، فيما القوات التركية تواصل تقدمها، لاكتساح التطلعات الانفصالية في اول معاقلها السورية.

التعليق