أبناؤنا.. خارج الصندوق

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

منال أحمد كشت

علي ان اعترف... لقد فشلت في تربية أطفالي.
أعترف بأنني لم أكن يوما قادرة على التحكم بهم؛ فابنتي هبة ذات الخمسة أعوام ترفض أن "تلبي أوامري" بكلمة "حاضر"، بل تقف أمامي بكل عنفوان طالبة مني تفسير سبب الطلب بمنطقية حتى تقتنع بتنفيذه بحجة أنها انسان ومن حقها الفهم. اما عبد الله ذَو الأربع سنوات فلا يكترث أبدا بمطالبتي المتكررة له بارتداء ملابس متسقة الالوان او جوارب وأحذية متشابهة، متحججا بأن عدم الاتساق هو نهج بحد ذاته.
لقد أخفقت في تربية أطفالي؛ فأنا لم انضم إليهم في حصة الرسم، ولَم أقم بإكمال لوحاتهم بإتقان ليظن الجميع بأنهم موهوبون. لم أهرع يوما لنجدتهم لمجرد سقطة صغيرة او كدمة بسيطة ظنا مني ان ذلك سيزيد من قدرتهم على التحمل. لم اعلم ابنتي بأنها فتاة وعليها الالتزام بالبروتوكول المرافق، لذلك قامت بالتصدي لذلك الفتى الذي اخبرها بأن لا مكان لها في لعبة السيارات لأنها بنت، فأجابته بأنها بنت ومن حقها ان تلعب ما تشاء هي وليس وفقا لما يتوقعه هو. أخفقت حينما اصطحبتهم الى الأنشطة والندوات والوقفات فأصبحوا يستخدمون مصطلحات دخيلة مثل حق الطفل والإنسانية والعدل والمواطنة الصالحة ضمن فهمهم البسيط لها في نقاشاتهم مع البالغين.
فشلت في زرع الخوف من العقاب في نفوسهم فأصبحوا جريئين صادقين، يعترفون بالخطأ دون تردد ويعتذرون ويعملون جاهدين على عدم تكرار ذلك. لم استطع ان أعزز مفهوم الثواب بالحلوى والالعاب والمغريات لانهم فهموا ان المبادئ لا تحتاج الى مساومة، ففقدت القدرة على استمالتهم او كسب تعاطفهم حين أريد ذلك. لم اقدر يوما على رد الاساءة؛ فابنتي تطلب ممن يسيء لها بالتوقف عن مضايقتها او ايذائها فورا وبحزم وبدون ان ترد بالمثل، وتنجح بذلك في كل مرة.
عجزت عن دفعهم للرغبة في القيادة والسيطرة في كل مرة، لذلك تجدهم قادرين على لعب معظم الأدوار ضمن الفريق في اغلب الأحيان دون الحاجة الى التسلط او التنمر، والاسوأ من  هذا انهم يحترمون الرأي المخالف لهم. لم استطع ان اجعلهم يشعرون بالتميز والتفوق لجمالهم وللون شعرهم الذهبي وعيونهم الملونة، فهم يعتقدون ان كل الأشخاص جميلون كل بطريقته الخاصة وان اللطف في داخلنا هو ما يجعلنا جميلين من الخارج.
فشلت في تربية ابني بأنه أفضل لانه ذكر وانه يتفوق على اخته بذلك، وفشلت في إقناعها بأن عليها تلبية اوامره وطلباته طوال الوقت فهي دائما ما تذكرنا بأن الاولاد والبنات سواسية ولا يوجد شخص أفضل او أقوى من الاخر، وغالبا ما تسعى الى إشراكه في جميع نشاطاتها حتى وان عجز عن الإنجاز فهي تقوم بتشجيعه وتحفيزه. عجزت تماما عن خلق التنافس السلبي بينهما، فهما يظنان انه لا مجال للمقارنة والمفاضلة بينهما حيث ان كل واحد منهما متفرد بشخصيته وقرارته وسلوكياته وغالبا ما يكرران عبارة "مش لازم نكون زي بعض او زي أَي حدا".
عجزت عن إقناعهم بأن ما يهم ان نكون نحن، فقط، بخير وكفاية، لانهم يتوهمون ان من حق الجميع ان يكونوا بخير وبأن من حق الجميع ان يعيشوا بسلام. كم من مرة عجزت عن دفعهم عن تجاوز الدور والنظام بحجة ان لا احد يرانا او يراقبنا، فوجدتهم يوبخون اشخاصا اخرين لعدم التزامهم بالطابور او بسبب إلقاء النفايات في الشارع او لعدم الالتزام بممر المشاة غير عابئيين بفرق العمر بينهم وبين البالغين.
كم مرة منعتهم من الاستمتاع بصيفهم فأنا لا املأ البركة البلاستيكية بالماء بحجة انه لا يوجد ماء بما فيه الكفاية على كوكبنا، فتعلموا على استخدام الماء بتحفظ فأصبحوا يقلقون من الكمية التي يستهلكونها اثناء استحمامهم. لم يقبلوا يوما اقتلاع الأزهار لأنهم يعتقدون انها ستموت، وأصروا دوما على زراعة المزيد منها في قوارير قابلة للتدوير كما لو أننا عاجزون عن شراء القوارير الجميلة المزخرفة. يرفضون الدوس على الحشرات او التعامل بوحشية مع الحيوانات، فأصاب بانزعاج عندما تطلب مني صغيرتي أن أوقف سيارتي لما يزيد على عشر دقائق حتى لا ارعب تلك العصافير الصغيرة وهي تلتقط فتات الخبز عن الارض.
أعترف بأن ثقافتي الأمومية كانت ترسم لي عالما آخر، وتقاليد لا تشبه التي أعيشها اليوم مع أبنائي. أعترف بأنني تفاجأت كثيرا بوظيفتي الجديدة التي دخلتها بدوام كامل: أم!
كنت وضعت في بالي كثيرا من التصورات عن هذه الوظيفة، ولكن جميع التصورات المسبقة سقطت تباعا منذ اليوم الأول الذي تسلمت فيه مهامي كاملة؛ أنماط التربية، وطرق التعليم، والتصورات المسبقة عما يصح وما لا يصح، جميعها تبدو مثاليات ينبغي تأجيلها قليلا وأنت تتعامل مع كائن بشري يمتلك الحق في التفكير خارج الصندوق الذي تنوي وضعه فيه.

التعليق