قصص نابلسية في انتفاضة الأقصى

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً
  • فلسطينيون في نابلس يتظاهرون ضد زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى فلسطين المحتلة -(أرشيفية)

د. جودت أحمد المساعيد

تبقى الحروب دوماً مأساة الأمم والشُعوب، ولا أحد في هذا العالم يرغب في إشعالها سوى من يوصفون أحياناً بأنهم ممن يحبون سفك الدماء، وممن يمتلكون مصانع الأسلحة، وممن يتاجرون بها، أو من أولئك المهووسين بحقبة الاستعمار والاستعباد والهيمنة، من الذين يرغبون عُنوةً باحتلال أراضي الآخرين وسلبهم حقوقهم وممتلكاتهم وحرياتهم، ضاربين بعرض الحائط جميع ما تنص عليه الشرائع السماوية والوضعية في وقتٍ واحد.
 وهذا ما نراهُ ماثلاً للعيان بشكلٍ واضحٍ، فيما عمله ويعمله دوماً الصهاينة المحتلون في أرض فلسطين السليبة، وما يمارسونه من تصرفاتٍ همجيةٍ ضد البشر والشجر والحجر دفعةً واحدة، مما يستدعي في كثيرٍ من الأحيان، ردود فعلٍ منظمة ودقيقة أحياناً، وعفوية أو ارتجالية أحياناً أخرى، من أجل الدفاع عن الدين والحقوق والوجود وأرض الجدود.
 وبما أن الدين والتاريخ هو من ضمن ثوابت الوجود والجدود لهذا الشعب العربي المحتل، فإن التمادي في التعدي عليهما والاستهتار بمشاعر أصحابهما، يجعل الغالي والنفيس رخيصاً في الدفاع عنهما. وهذا ما حصل عندما تجرأ مجرم الحرب الصهيوني الجنرال (شارون)، على تدنيس باحات المسجد الأقصى الشريف، في الثامن والعشرين من شهر أيلول(سبتمبر) من عام 2000م، مما أشعلَ انتفاضة عارمة شملت الضفة الغربية وقطاع غزة، ولاقت ارتدادات أخرى عديدة في الكثير من الأقطار العربية والإسلامية. وقد أطلق على هذه الثورة إسم (إنتفاضة الأقصى)، وذلك نظراً لاندلاعها حول ذلك المسجد المقدس الذي يمثل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وسقط  نتيجة لها عشرات الشهداء والجرحى في ذلك اليوم المشؤوم الذي شهد تلك الحادثة البغيضة. 
 ونتيجة لذلك، عمت المظاهرات العارمة مختلف المدن والبلدات والقرى في فلسطين التاريخية من بحرها إلى نهرها، وكان أشدها على الإطلاق ما حدث في مدينة نابلس التي يطلق عليها غالباً (عاصمة جبل النار) لدورها القيادي في الثورات ضد الانتداب البريطاني والتغلغل الصهيوني منذ أوائل القرن العشرين، وما زالت حتى يومنا هذا، وما دام الاحتلال قائماً.
ونظراً لعملي أستاذاً وعميداً لكلية العلوم التربوية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس وقت اندلاع الانتفاضة، وعايشتُ فعلاً أحداثها لمدة أربع سنواتٍ كاملة، فقد كنتُ شاهد عيانٍ حقيقيا على ما قامت به تلك المدينة من بطولات، وما قدمتهُ من تضحياتٍ كثيرةٍ في الأرواح والجراح والأموال والممتلكات والمشاريع، إلى الدرجة التي يصعب معها حصر الخسائر المعنوية قبل المادية، في ضوء التصرفات البربرية اللامعقولة لقوات الاحتلال الصهيونية.
 وما أن دارت المواجهات بين جماهير الشعب الفلسطيني وبين جحافل الجيش المدجج بالسلاح حول المسجد الأقصى في الأيام الأولى من الانتفاضة، حتى انتشرت شُعلتها كانتشار النار في الهشيم، لتصل بسرعة البرق إلى مدينة نابلس، التي تحولت هي بدورها إلى ساحةٍ كبيرةٍ للصدام العنيف بين الشباب بصدورهم العارية، وبين دبابات العدو ومدرعاته وجنوده. وما زلتُ أتذكر تماماً أنه عندما ازدادت جذوة الانتفاضة في الاسبوع الأول من انلاعها، اندفع طلبة جامعة النجاح من الجنسين، تاركين ساحات الجامعة وقاعاتها، متجهين صوب وسط المدينة، وهم يرددون الهتافات القوية ضد الاحتلال وزعمائه وتصرفاته، ومنددين بانتهاكاتهِ لحرمة الأديان والمقدسات والمعتقدات.
 ولم يحترم جيش العدو حتى مجرد حق الناس وحريتهم في التظاهر، ولا كون تلك المظاهرات سلمية الطابع، حيث لم يحمل هؤلاء الشباب غير الإيمان بحقهم في الحرية والاستقلال، ولم يتصدوا لتلك الدبابات والمدرعات والرشاشات، سوى بصدورهم العارية. لذا، قام الجنود المولعون بالقتل، بإطلاق الرصاص بغزارةٍ شديدةٍ عليهم، أدت إلى سقوط العشرات من الشهداء والجرحى، كان على رأسهم الشهيد جهاد ابن محافظ نابلس آنذاك محمود العالول، ومعه رفاقه الشهداء إياد الخششي، ومصطفى رمضان، وحسام بخيت، وسارة حسن، ووائل قطاوي، وضياء نايف. وقد تبعهم في الأسابيع الثلاثة التالية استشهاد فريد نصاصرة، ومحمد دخيل، وزاهي عارضة، وفراس فريد، وأمجد أبو عيسى، وسائد الطنبور، وأشرف حبايب، وعيسى الفاعور، وعصمت الصابر.
 وتوالت مواكب الشهداء من هذه المدينة البطلة بشكلٍ شبه يومي، بحيث كان مكتب رئيس الجامعة وقتها أ.د. رامي الحمد الله، يتصل يومياً بالعمداء للتذكير بالتجمع سويةً والذهاب للتعزية بهذا الشهيد من هذه العائلة أو تلك من عائلات نابلس العريقة. وما كان يلفت انتباهي خلال هذه الزيارات، أنه قبل الدخول لديوان أو صيوان التعزية، فإن كل عائلة كانت حريصة أن تضع لوحة بأسماء الشهداء الذين لاقوا وجه ربهم خلال الانتفاضة، كي تفتخر بما قاموا به من أعمال بطولية في سبيل الدين وحرية الوطن.
ولم تقف قوات الاحتلال في إجرامها عند حد إطلاق النار على المتظاهرين بشكلٍ شبه يومي، وإسقاط أكبر عددٍ من الشهداء والجرحى من بينهم فحسب، بل أخذت إضافة إلى ذلك، باتباع أسلوبٍ وحشي يتمثل في استهداف العناصر النشطة منهم وهم داخل بيوتهم، أو عندما يتنقلون بسياراتهم الخاصة، أو حتى عندما يلجأون إلى السير حتى على أقدامهم، وذلك عن طريق قصفهم بالطائرات المروحية، كما حصل مع الشهيد إبراهيم بني عودة، الذي استهدفته إحدى هذه الطائرات، لكونه من المناضلين ضد الاحتلال. وكان هذا الشهيد في الأصل ضابطاً في الجيش الأردني برتبة ملازم أول.
 كما حصل الأسلوب ذاته مع طالب جامعة النجاح الشهيد محمود المدني، ومع الشهيد صلاح الدين دروزة، والشهيد جمال الداموني، والشهيد مهند الطاهر، والشهيد حامد الصدر، والشهيد أمين منزلاوي، والشهيد محمد الحنبلي، بهدف التصفية الجسدية لكل من يحاول مقاومة السياسات التعسفية الظالمة.
 كما كانت قوات الاحتلال الغاصب تستخدم أسلوب المتفجرات مع بعض النشطاء، كما حصل مع الشهيد أيمن عدنان حلاوة، الذي كان لاستشهاده قصة مثيرة. فقد استطاعت قوات الاحتلال بيعه سيارة خاصة عن طريق أحد عملائها، وعملت على تفخيخها بالمتفجرات، وما أن صعد بها في الوقت الذي كانت فيه طائرة العمودية في الجو، حتى تم تفجيرها عن بُعد. وكنتُ وقتها بالضبط أتحدث هاتفياً مع زميل لي يسكن في منطقة القدس هو الدكتور محمد عمران، وفي منتصف المكالمة دوى انفجار ضخم بالقرب من البيت، صرخت على أثره لا شعورياً وقفزت بعيداً عن الشباك تاركاً الهاتف الثابت مفتوحاً، وإذا بالدخان يتصاعد إلى الأعلى وسيارات الإسعاف تتقاطر إلى مكان الحادث.
 ونسيتُ تماماً حكاية الهاتف المفتوح، لأنني دخلت في عمق الشقة، وكان الزميل عمران قد عاود الاتصال مرات ومرات ظناً منه أنني قد أصبتُ بأذى، لا سيما وأنه سمع صوت الانفجار عن طريق سماعة الهاتف. ولما كان يعلم أنني على صلة وثيقة جداً بعميد كلية التربية وقتها في جامعة القدس أ.د. أحمد فهيم جبر، اتصل به وأخبره بالقصة، ليقوم هو الآخر بالاتصال الهاتفي بي دون جدوى، مما زاد من حدة القلق لديهما. وبينما أنا أدخل ثانية إلى غرفة الاستقبال، حتى لاحظتُ أن الهاتف الأرضي مفتوح، فأسرعت بإغلاقه، وما هي إلا دقائق حتى قرع الجرس من جديد وإذا بالدكتور عمران، يحمد الله ويصف لي قلقه الشديد نتيجة الاتصالات المتعثرة عدة مرات، تبعه أيضاً الدكتور أحمد فهيم جبر، فأخبرتهما بأن وسائل الإعلام في نابلس قد أذاعت عن نبأ استشهاد أيمن حلاوة بالقرب من العمارة التي نقطنها.
 ولجأت قوات الغزو الصهيوني كذلك إلى استخدام الطائرات النفاثة من طراز إف F 16 لقصف مبنى المقاطعة الضخم في مدينة نابلس، بهدف قتل الناشط محمود أبو هنود، الذي استطاع الإفلات من قوات الاحتلال التي حاصرت منزله في ضواحي مدينة نابلس، ولكنه نجا ثانية حتى بعد تدمير جزء من مبنى المحافظة واستشهاد عدد ممن كانوا فيه، لتعود وتتربص به للمرة الثالثة بعد عدة شهور، كي يستشهد عندما تمَ قصفه وهو يركب سيارة خاصة عن طريق طائرة مروحية.
ومن بين الأساليب الشيطانية الأخرى التي استخدمها العدو الصهيوني لتصفية النشطاء الفلسطينيين، كان الإتصال هاتفياً بالمطلوب من طرفهم، والإدعاء بأن إذاعة لندن أو إذاعة مونتي كارلو تريد عمل لقاء مباشر على الهواء معه حول موضوع في التخصص العلمي أو المهني للناشط نفسه، وفي الوقت ذاته تكون الطائرة العمودية تحوم في الأجواء القريبة، ويكون مع الطيار ومرافقيه أجهزة لتعقب صوت الهاتف، فما أن يسترسل الشخص المطلوب في حديثه الإذاعي، حتى يرسلوا صاروخاً إلى مصدر الصوت كي يفجر المكان على من فيه.
 هذا إضافةً إلى استخدام الأساليب القتالية التقليدية، ولكن عن طريق المبالغة فيها، مثل القيام بإرسال كتيبة على الأقل من الدبابات والمدرعات مع سيطرة الطائرات العمودية على الأجواء، وذلك لحصار شخصٍ واحدٍ  أو اثنين أو ثلاثة، كما حصل مع الشهيد قيس عدوان، الذي كان أحد طلبة كلية الهندسة في جامعة النجاح، وكان نشطاً للغاية في صناعة الصواريخ ذات المدى القصير،  حيث خرج مع مجموعة من رفاقه باتجاه الأغوار، فطاردته قوات الاحتلال وحاصرته في مدينة طوباس بأرتال من الدبابات والجنود، ودافعوا عن أنفسهم حتى استشهدوا جميعاً.
وبالإضافة إلى التضحيات البشرية التي قدمها أهالي عاصمة جبل النار خلال انتفاضة الأقصى، فقد كانت تضحياتهم الاقتصادية هي الأخرى جسيمة. فبعد أن كانت نابلس العاصمة الاقتصادية للدولة الفلسطينية، حيث مركز السوق المالي، وكثرة الأسواق المتنوعة، والصناعات المتعددة، فقد تعرضت كل هذه المجالات إلى انتكاساتٍ كبيرةٍ نتيجة سياسات الحصار الخانقة من جانب قوات الاحتلال.
 وباختصار شديد، فقد أعطت مدينة نابلس من العطايا المادية والبشرية لانتفاضة الأقصى المباركة، ما يجعل التاريخ يشهد بالعز والفخار لأبطالها وناسها الأحرار، نظراً لما قدموه من تضحيات، جنباً إلى جنب مع أهالي مدن الضفة الغربية وقطاع غزة وبلداتها وقراها، على أمل أن ينالوا حريتهم واستقلالهم الموعود، والذين سيستمرون في النضال المرير من أجله، مهما طال الزمان أو قَصُر، لأنه في نهاية المطاف، وكما يقول شاعر الحماسة العروبي التونسي: فلا بد لليل أن ينجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر.

التعليق