إبراهيم غرايبة

العدالة بما هي الدرس الأول للربيع العربي

تم نشره في الخميس 25 كانون الثاني / يناير 2018. 01:06 صباحاً

سيكون أكبر خطأ تقع فيه الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، وكذلك المنظمات والأحزاب والجماعات، إذا نظرت إلى الربيع العربي، باعتباره صراعاً سياسياً مرتبطاً بأحداث وأزمات محددة، بعضها حسم وبعضها الآخر مايزال عالقاً، أو إذا نظرت إلى الأحداث بأنها انتصار فئةٍ وهزيمة أخرى، فالربيع، في واقع الحال، عمليات تغيير عميقة وصامتة في الوعي والذهنية، توظف الحالة الشبكية والمعرفية في إعادة بناء وصياغة ثقافية وعقلية، ولا تشكل أحداث الصراع العنفي والأزمات السياسية سوى قشرة رقيقة من الحالة الجديدة المتشكلة. وفي المقابل، فإن عمليات الإصلاح، في كل مستوياتها، في حاجةٍ أن تتحول من الشعور بالظلم إلى إدراك واع وعقلاني للعدالة، هل العدالة عملية عقلانية أم اخلاقية؟
تبدو الإجابة بديهيةً، بالطبع، في أن الشعور أو الادراك الأخلاقي لا يكفي؛ لاعتبارات عدة، أولها أن إدراك المظالم يدفعنا إلى صياغة نظرية علمية للعدالة، كما يدفعنا إلى التفكير في العدل والظلم، كما أن حل الصراعات وبناء العقد الاجتماعي لا يمكن تأسيسه من غير فلسفةٍ سياسيةٍ وعلمية للعدالة، ذلك أن جميع الأطراف تعتقد أنها تمثل العدل، وترى مطالبها ومصالحها عادلة. ويتمتع جميع الناس، على مختلف اتجاهاتهم، بشعور بالرضا، حتى الذين يرتكبون المجازر والجرائم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك لأجل قضية عادلة! هذا الرضا عن الذات المرافق للحكمة المؤسسية يمنع الدراسة النقدية للنتائج الفعلية.
لم تعد العدالة الاجتماعية فكرة نضالية، أو مطلباً للمحرومين والمهمشين والمناضلين والمعارضين المعزولين، لكنها اليوم تتحول إلى مشروع عالمي، تتحدث عنه المنظمات الدولية والحكومات والأحزاب الكبيرة المؤثرة بمختلف اتجاهاتها وجذورها الفلسفية والفكرية، فالعدالة تصعد اليوم في الفكر والسياسة والصراع أيضاً، باعتبارها محور الاختلاف والجدل، والمعيار الأساسي في تقييم التنمية والإنفاق والسياسات والميزانيات. وبالطبع، ليست العدالة اكتشافاً متأخراً في السياسة والتنمية. لكن، ثمة اتجاه عالمي مؤثر يعلي من شأنها، ويعتبرها أولوية قصوى، بدأ ذلك منذ تسعينيات القرن العشرين، إدراكاً بعالم جديد ونظام عالمي جديد يتشكلان، ثم كان الربيع العربي حدثاً مؤثراً في العالم، وما يزال يؤثر ويفعل، وإن كان ذلك في صمتٍ وهدوء. لقد جعل الربيع العربي موضوع العدالة شأناً عالمياً وفردياً واجتماعياً، .. كيف يمكن إنزال الظلم، وإعلاء العدالة الاجتماعية؟
أفضل فهم للعدالة هو الفهم السياسي، وعلى الأشخاص المعقولين أن يحترموا المبادئ، حتى لو كانت على حساب منافعهم الخاصة، شرط أن يفعل الجميع ذلك، والمجتمع حسن التنظيم هو الذي ينظمه بكفاءة مفهوم سياسي للعدالة، يشمل البنية الأساسية للقانون الأساسي، والفضاء المستقل، ومفهوم قانوني للملكية، كما أن الأسرة تشكل الإطار الاجتماعي الخلفي أو العدالة الخلفية. وفي ذلك، يملك المواطنون قوة أخلاقية عظيمة، تتمثل بالحس بالعدالة والقدرة على تحصيل مفهوم الخير. هكذا يمكن تسوية الصراعات تسويةً سلميةً معقولةً، تتنازل وتكسب فيها جميع الأطراف، .. وأظن أن هذا هو الدرس الأول للربيع العربي.

التعليق