د.أحمد جميل عزم

"عملية نابلس- جنين" و"المركزي" و"إضراب "فتح"

تم نشره في الخميس 25 كانون الثاني / يناير 2018. 01:03 صباحاً

شهدت الأيام الفائتة أربعة تطورات مهمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، هي اجتماعات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعملية نابلس-  جنين، ثم الإضراب الاحتجاجي على زيارة مايك بينس، ويحتاج منها تقييما خاصا، لكن تقييمها مجتمعة يكشف عناصر أساسية في مشهد الأداء الفلسطيني، الذي يبرز فيه التراجع الكبير في فعاليات الاحتجاج الشعبية على القرار الأميركي بشأن القدس.
جاءت اجتماعات المجلس المركزي وسط اهتمام كبير في أوساط النخب والمثقفين والسياسيين، واهتمام محدود شعبياً. والملاحظة الأولى، أنّ أحداً لم يتوقف عند أنّ المجلس المركزي، لا يصل مرتبة برلمان منظمة التحرير الفلسطينية، وبحسب النصوص، الأصل أنه مجلس مصغر يجتمع مرة كل شهرين لتوجيه اللجنة التنفيذية، إلا أنّ عضويته كبرت، واجتماعاته اضمحلت واختفت. وصار مجرد اجتماعه حدثاً وطنياً. ثانياً أنّ الغالبية العظمى من المسؤولين عن تنفيذ قرارات المجلس، سواء في المقاومة الشعبية، أو المقاطعة، أو وقف التنسيق الأمني، أو العمل الدبلوماسي، أو سوى ذلك، ومعهم نخب المثقفين والمحللين والأكاديميين الذين تابعوا المجلس، ويتابعون الشأن السياسي، ليسوا أعضاء في المجلس، فالمجلس في غالبية أعضائه ممن دخلوا أو تجاوزوا العقد السابع من عمرهم. وثالث الملاحظات، وجود شبه اتفاق أن صدور قرارات لا يعني تنفيذها، ففي السابق لم تنفذ القرارات، وترك الأمر للجنة التنفيذية، التي لا تحتاج أصلا لقرارات من "المركزي" لو أرادت التنفيذ، وسيراقب الشارع الآن إذا كانت هناك قرارات ستنفذ فعلاً.
قبل انعقاد اجتماع المركزي، جرى في منطقة نابلس، تنفيذ عملية فدائية، قتل فيها حاخام مستوطن. وبعد الاجتماع شهد مخيم جنين، هجوما إسرائيليا واسعا لاعتقال من يعتقد بصلتهم بالعملية، وسط صمت فلسطيني رسمي، يقابله رمزية عالية في المشهد، فمن يعتقد أن هدف الهجوم الإسرائيلي، هو شاب يعتقد أنّه عضو في حركة "حماس"، ومن استشهد أثناء الدفاع عنه، وربما كان على علاقة عمليّاتية معه، من أنصار حركة شبيبة فتح، وهو ما يؤكد هشاشة المشهد الحالي للجمود والانقسام، الذي ينقلب في لحظة المواجهة سريعاً. وفي مخيم جنين مثلا اشترك في عملية الدفاع بالحجارة والرصاص (غير الرسمي)، المئات من المخيم دون تمييز في الانتماء السياسي. ولكن يصعب عدم رؤية تزامن حدوث العمليات مع تراجع المظاهر الشعبية للاحتجاج ضد "قرار ترامب". 
بعد المركزي وعملية نابلس- جنين، جاءت زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بينس للمنطقة، وقررت القيادة الفلسطينية المقاطعة، ورفض استقباله، بل وصدر بيان عن حركة "فتح" يدعو لإضراب شامل. وإذا كانت أداة الإضراب موضوعا جدليا بين الفلسطينيين، منذ العام 1936 على الأقل، فارتباك هذا الإضراب بلغ نقطة جديدة. فبداية لم يكن واضحاً من مرجعية الإضراب في "فتح"؟ وقد جاء القرار ضمن بيان، هو البيان رقم (7) الصادر عن الحركة، منذ قرار التصدي لسياسات ترامب والاحتجاج على الاستيطان الإسرائيلي شعبياً. وفكرة بيانات الحركة المتسلسلة فيها استعادة لزمن ماض، ولتراث في العمل الشعبي المنظم، ولكن الأسئلة باتت لماذا لا تبدو "فتح" مُعبّأة لتنفيذ تعليمات البيانات؟ ومثلا في هذا الإضراب كان هناك ارتباك في فهم من هي القطاعات التي تشمله، وساعاته. وجزء من هذا الارتباك، جاء أيضاً من عدم التنسيق مع الفصائل الأخرى، فحدث توتر في بعض المواقع بين ناشطي "فتح" و"حماس" بشأن فرض الإضراب بالقوة، وأصدرت مصادر في منظمة التحرير الفلسطينية تصريحات تحدد الإضراب بوقت محدد من النهار.
إن انعقاد المجلس المركزي، وعملية نابلس والحاضنة الشعبية كما ظهرت في جنين، ومقاطعة بينس، والإضراب وبيانات "فتح" المتسلسلة، والإضراب الذي تم تنفيذه "بنجاح"، تدل على "تململ" وتحرك، ولكن التحول لحركة سياسية فلسطينية مختلفة، توائم السياسة الأميركية الإسرائيلية المتسارعة، تحتاج لاحترام قرارات المركزي، والأهم تجديد المجلس الوطني الفلسطيني، وتعبئة أفضل للشارع، فتصبح بيانات "فتح" حينها جزءا من حركة وطنية موحدة، ويجري الإحساس والتقيد بها بشكل أكثر قوة وحماسة، يتضمن أوجها مطورة للمقاومة الشعبية، وتصبح حينها هناك فكرة أفضل هل يجب عدم عسكرة الاحتجاج (كما جرى في نابلس)؟              

التعليق