محمد أبو رمان

The Post

تم نشره في الخميس 25 كانون الثاني / يناير 2018. 01:09 صباحاً

لم يخب أمل نسبة كبيرة ممن شاهدوا فيلم The Post، وهو ضمن قائمة الأفلام المرشّحة للعديد من الجوائز العالمية، ويتحدث عموماً عن جدلية الإعلام والسلطة، ومعركة الحريات والصراع حول حق الحصول على المعلومة ونشرها.
الفيلم يتحدث عن قصة الواشنطن بوست، ومعركة الإعلام بصورة عامة مع إدارة الرئيس نيكسون، وتدور أحداثه حول نشر دراسة سريّة (تمّ تسريبها للإعلام) لوزير دفاع أميركي سابق وأحد المنظّرين الأميركيين المعروفين روبرت ماكنمارا، من قبل الصحيفة، بالرغم من وجود تحذير مسبق من نشر تلك المادة، التي تتناول القناعات الحقيقية للإدارات الأميركية المتتالية، فيما يتعلّق بحرب فيتنام، والتدليس والتلاعب بالرأي العام.
ليس هذا هو الفيلم الأول، الذي يتحدّث عن الحرية الإعلامية في مواجهة السلطة والصراع بين الطرفين، وحتى في داخل المؤسسات الإعلامية نفسها بين قيم الحرية الإعلامية وسقفها من جهة ومصالح الصحيفة والخشية من عواقب مواجهة السلطة من جهةٍ ثانية.
هنالك العديد من الإفلام السابقة، التي تتحدث عن قصص واقعية وحقيقية، في هذا الصراع، الذي لا ينتهي دائماً وبالضرورة لمصلحة الإعلاميين وحريتهم، بل قد يؤدي في بعض الأحيان إلى أضرار كبيرة وبالغة تصيب الصحافي وعائلته جراء كشف أسرار ومعلومات أمنية أو عسكرية أو حتى مواجهة شبكات المصالح، كما حدث تماماً في فيلم Kill the Messenger، الذي يتحدث عن قصة الصحافي الاستقصائي جاري ويب  Gary Webb، في بداية التسعينيات الذي اكتشف تحالفاً سرياً بين المعارضة المسلحة في نيكاراغوا والسي أي أيه، وعملية تمرير للمخدرات لدعم تلك المجموعة، وقام بنشر الوثائق، لكنه دفع كلفة ذلك حياته ومستقبله ومصيره، وقد مات منتحراً – وفق ما تم إعلانه، في العام 2004.
الاهتمام بفيلم The Post اليوم، مرتبط، بالإضافة للأبطال، بأهمية صحيفة الواشنطن بوست، وبأبطال الفيلم، وعربياً بتوقيته، بعد الربيع العربي والانحراف في دور الإعلام لخدمة السلطة، وحالة الاستقطاب الراهنة، وتغول الذرائع الأمنية والمالية والسياسية على الحريات الإعلامية وحق الحصول على المعلومة.
في أحداث الفيلم تصوير حقيقي وواقعي ومهم لديناميكية النقاش والحوار بين مالك الصحيفة وإدارة التحرير (قام بدور رئيس التحرير توم هانكس)، والمخاطر المترتبة على مواجهة رئيس متعنّت له موقف سلبي من الإعلام، يقوم بمحاولة توظيف القضاء لصالحه الخاص.
وفي الفيلم تصوير آخر عميق لإصرار الصحافة على الاستقلالية وحماية سقف الحرية الإعلامية، حتى وإن كان ذلك قد يؤدي إلى السجن، أو إلى هروب المستثمرين الذين يملكون الصحيفة، أو أضرار مباشرة تلحق بالصحافيين، على الصعيد الإنساني والمالي.
وفي الفيلم أيضاً تصوير لدور القضاء المحايد المستقل في حماية الحريات العامة وحرية التعبير، والقيم الدستورية في مواجهة السلطة التنفيذية، وحق الحصول على المعلومة، في مواجهة ذريعة الأمن الوطني ودعوى تضرره من نشر بعض المعلومات أو المعطيات، وهو السلاح الذي رُفع في وجه الصحيفة والقائمين عليها.
بسبب هذه الزوايا المتعددة من الضروري أن يكون الفيلم، في التوقيت الراهن، ملهماً ومحفّزاً للإعلاميين في العالم العربي، وفي الأردن، ليؤكّدوا على أهمية الاستقلالية وحماية الحرية الإعلامية وسقفها، وحق الحصول على المعلومة لدى الرأي العام، ومواجهة التلويح الدائم بالذريعة الأمنية، فهنالك اعتبارات أمنية صحيح، لكن في الوقت نفسه هنالك قيم مرتبطة بالحريات وحق الحصول على المعلومة.

التعليق