حديث الفرقة الناجية.. سنة أم سياسة؟

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2018. 01:10 صباحاً

د. محمد الشريفين

تحتاج الأحاديث النبوية الشريفة إلى دراسة نقدية مستمرة، وذلك بهدف التمييز بين الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمكذوب عليه. ويختلف المشتغلون في علم الحديث النبوي الشريف في هذه القضية، على رأيين هما: الأول: التسليم المطلق للنتائج التي توصل إليها العلماء السابقون. والثاني: ضرورة إعادة دراسة الأحاديث وخاصةً الإشكالية منها، والتي لا يطمئن الدارس الي  ثبوت صحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا منهج قديم سلكه من الصحابة السيدة عائشة رضي الله عنها، ولم يخل زمان ممن سلك هذا المسلك، ومن كبار العلماء الذين سلكوا هذا المسلك، الإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام الدارقطني. كل هؤلاء اعادوا دراسة أحاديث وصفت في زمنهم بأنها صحيحة صادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا بعدم ثبوتها.
 وفق رؤيتي الشخصية، فإنه يمكننا إعادة دراسة الأحاديث الشريفة المُشكلة، وذلك وفق القوانين النقدية المتعارف عليها بين علماء الحديث النبوي الشريف، وسبب ذلك أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل في دائرة العصمة، ولا يدخل غيره.
من هذه الروايات: الحديث المشهور المنسوب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم، والذي يقول فيه: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ".
سيكون كلامي في هذا الحديث من خلال محورين: الأول: سند هذا الحديث، وأقصد بالسند: الرواة الذين ينقلون الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الثاني: متنه، وأقصد بالمتن: نص كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والدافع لاختياري هذا الحديث أن هذا الحديث كان وما زال يشكل محرك الافتراق والاحتراب بين المسلمين، والآثار الكارثية له لا يمكن حصرها.
أولا: سند هذا الحديث. رُوي هذا الحديث بأسانيد كثيرة، وقد قمت بتجميع رواياته في أكثر من عشرين صفحة ودرستها، ثم قرأت ورقة علمية للدكتور حاكم المطيري بعنوان "حديث الافتراق بين القبول والرد"عالج فيها سند هذه الرواية، وكان ما توصلت إليه مطابقا لما توصلت إليه دراسة المطيري، بأن هذا الحديث لا يصح بوجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا بد من التنبيه هنا إلى أن بعض العلماء صححوا هذا الحديث، اعتمادا على كثرة رواياته، وأجابوا عن الضعف الموجود في أسانيد الروايات: بأن الضعيف يُقوي الضعيف؛ وبالتالي فهو صحيح، وحكم بعضهم عليه بالتواتر ولا يصح قولهم، إذ الضعيف لا يقوي الضعيف، والتواتر يُدرس ويثبت بعد ثبوت صحة الاسانيد، ولا يصح له إسناد، فالحديث بالنظر إلى إسناده آحادا يعني: ظني الثبوت، وهو مع ظنيته ضعيف وبجميع طرقه دون استثناء.
 ومما يجدر ذكره أن غالب الفرق الإسلامية المتخالفة قد صححت هذا الحديث من جهة الإسناد. الخلاصة: سند هذ الحديث لا يصح بوجه من الوجوه.
ثانيا: متن هذا الحديث.
من خلال قراءة متأنية لمتن هذا الحديث، وجدت أن متن هذا الحديث مُشكِل، وسأجمل الحديث عن الإشكال في أربع ملاحظات:
الملاحظة الأولى: أن هذا الحديث مخالف لكتاب الله العزيز، ومخالفته لكتاب الله تعالى من وجوه:
الوجه الاول: أن هذا الحديث يؤسس للفُرقة بين المسلمين، ويمتدح فريقا من المتفرقين، ويستخدم لفظة أمة، في حين نجد أن القرآن الكريم يستخدم لفظة أمة، ويؤسس للوحدة ويذم الفرقة، فقد قال الله تعالى:" وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ".  
الوجه الثاني: أن هذا الحديث استخدم الانتماء للطائفة كمعيار للنجاة، وأناط النجاة بالانتماء للطائفة، في حين أن القرآن الكريم استخدم التقوى كمعيار للنجاة وأناط النجاة بالفرد، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".
الوجه الثالث: من خلال هذه الرواية، فإن الأمة الإسلامية هي الأسوأ بين الأمم، ودليل ذلك أنها الأكثر تشرذما، وهذا مخالف لما جاء به كتاب لله العزيز، من أن هذه الأمة هي خير الأمم، قال تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ " وقال تعالى: و"َكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا "، وأنبه هنا إلى أن الخيرية والوسطية مشروطة وليست مطلقة.
الوجه الرابع: أن هذا الحديث يؤسس لطريقة في الحكم على الآخرين رفضها القرآن الكريم، فوفق هذا الحديث: يقول أهل السنة ليست الشيعة على شيء، وتقول الشيعة ليست أهل السنة على شيء، وتقول السلفية ليست الصوفية على شيء، وتقول الصوفية ليست السلفية على شيء، واذا ما أنعمنا النظر في كتاب الله تعالى نجد أن الحق يقول:" وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"، من خلال هذه الآية فقد لفت الحق سبحانه وتعالى نظر الناس إلى ضرورة البعد عن اطلاق الأحكام على الآخرين، وضرورة الالتفات الى المشترك بين الناس، وعدم بخس الناس أشياءهم، وإن أمر الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، إنما هو لله تعالى ويكون في يوم القيامة وليس في الدنيا.
الملاحظة الثانية: يشكل هذا الحديثُ عائقا امام أي حوار أو تقارب بين الطوائف الاسلامية المختلفة، وذلك بسبب الشوفينية-ويقصد بها وفق موقع ويكيبيديا: الاعتقاد المغالي والتعصب لشيء والعنجهية في التعامل مع خلافه- التي يولدها هذا الحديث في نفوس جميع أتباع الفرق، فجميع الفرق الإسلامية تؤمن به، وتؤمن أنها المعنية به، وبمجرد أن ترى الفرقة نفسها أنها على الحق وفي الجنة، وأن الفرقة الأخرى على الباطل وفي النار فكيف يتحاورون؟ وكيف يتقاربون؟ خاصة إذا آمنوا أن قتلاهم في الجنة وقتلا غيرهم في النار.
الملاحظة الثالثة: أن العدد المذكور في الرواية لم يقع لا لليهود ولا للنصارى ولا للمسلمين، مع أن المصنفين في الملل والنحل كالشهرستاني وغيره، تكلفوا إيصال عدد الفرق إلى العدد المذكور لكنهم عجزوا عن ذلك، فكيف يمكن لنا تفسير العدد المذكور في الرواية، هنا قد يقول قائل: إن المقصود بالعدد التكثير، ويُرد عليه: أنه لوكان للتكثير لما احتوى على هذا التفصيل الدقيق في الأرقام.
الملاحظة الرابعة: حضور السياسية.
عند تتبع الروايات المختلفة لهذا الحديث نجد أنها تشير وبإشارات صريحة لحضور السياسية، من هذه الإشارات: أنك عندما تقرأ صفة الفرقة الناجية تجدها تنطبق على فرقة بعينها، وهي الفرقة التي سميت بالجماعة، نسبة إلى العام الذي تنازل بموجبه الحسن عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنهما وهو العام 41 هجرية، ويقابل فرقة الجماعة الفرق المعارضة، وهي: الْقَدَرِيَّةُ، -فرقة رفضت أن يكون الوضع القائم من الظلم والقتل إنما هو بقدر الله تعالى وأن الإنسان فاعل أساسي فيه-، وَالْمُرْجِئَةُ-وهم الذين فصلوا بين الإيمان والعمل-، وَالشِّيعَةُ -وهم الذين شايعوا الإمام على رضي الله عنه-، وَالْخَوَارِجُ، وهم الذين رفضوا فكرة التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
وقد وضعت هذه الرواية لتعزز أحقية وشرعيّة "فرقة الجماعة"، في مقابل الفرق الأخرى، وقد افادت منها تلك الفرق المعرضة لفرقة الجماعة؛ لتدعيم شرعيتها وأحقيتها بالنجاة.
 ومن الإشارات لحضور السياسة أيضا: ما ورد في رواية ابن أبي شيبة في مصنفه7/ 554،حيث أخبرت الرواية عن حال قتل جماعي لسبعين ممن ينتمون إلى الحرورية -اسم آخر للخوارج-، وقد كان سوق هذه الرواية شرعنةً لذلك الفعل، وكأن هذه الرواية قد فصلت على قياس فرقة الجماعة في ذلك الزمن، وكذلك فقد جاء فيها الحث على السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لأمراء فرقة الجماعة، وضرورة الإذعان والامتثال لهم، ومجانبة الفرق المعارضة.
ومن المفيد هنا التنبيه إلى أنه لم يقتصر الاحتجاج بهذا الحديث على الفرق، بل تعدى ذلك إلى الاحزاب فقد بات كل حزب اسلامي يعتقد به، ويحسب أنه المعني به، وأن غيره لن ينجو إلا باتباع منهجه، كذلك فقد احتجت الجماعات الجهادية بهذا الحديث، وكان سببا رئيسا من اسباب استحلال الدم، والقتل فيما بين هذه الجماعات.
الخلاصة: هذا الحديثُ لا يصحُ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحال، فضلا عن مخالفته الصريحة لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد كان لهذا الحديث وما يزال الأثر الأسوأُ في تقطيع أوصال الأمة الإسلامية، وهو سبب مركزي من أسباب فرقة الأمة واختلافها، وتشتتها وتشرذمها.
توصية: أوصي المؤسسات التعليمية، والدينية بأن يتم حذف هذا الحديث من المناهج التدريسية، وحذف كل ما ابتنى عليه، وذلك حتى نستطيع أن نتخلص مما عانى منه ابن سينا، حيث قال: بلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم.

التعليق